المواطنة الحقّة… حين يصبح الوعي مسؤولية
التاج الإخباري -
بقلم: علاء الجبور.عندما لا تعرف ما نقصد، فلا تفسّر ما تريد. ومن لم يقرأ الفكرة بتمعّن، ثم سارع إلى تحميلها ما لا تحتمل، فلن يكون من الإنصاف أن يطالب صاحبها بتبرير ما لم يقله أصلًا. فالكلمات تُقرأ في سياقها، والمواقف تُفهم في سياقها، والاختلاف لا يمنح أحدًا حق اختلاق المعاني أو إسقاط النوايا.
المواطنة الحقّة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا عاطفة عابرة تُستثار بالمناسبات؛ إنها وعيٌ بالانتماء، وإحساسٌ بالمسؤولية، والتزامٌ أخلاقي تجاه الوطن ومؤسساته ومصالحه العليا. والانتماء الحقيقي لا يعني أن نزاود على أحد، ولا أن ندّعي احتكار الوطنية، معاذ الله؛ لكنه يعني أن ندرك أن للأردن حقًا علينا، وأن الدفاع عن صورته وحقائقه ومصالحه وسيادته مسؤولية لا يجوز أن تتحول إلى مادة للمزايدات أو التجاذبات.
ومن هنا، فإن احترام الوطن لا يتعارض مع النقد، كما أن الدفاع عنه لا يعني تعطيل العقل. الفارق الجوهري يكمن في النية والوسيلة والغاية والنتيجة: فالنقد المسؤول يضيء موطن الخلل، أما التشويه المتعمد فيحوّل الخلاف إلى وسيلة لهدم الثقة؛ والاختلاف حق، لكن تحويله إلى تحريض أو إساءة أو استهداف لمكونات المجتمع ليس من مقتضيات الحرية المسؤولة.
لقد شهدنا خلال السنوات الماضية، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر، تصاعدًا في الخطاب الإعلامي والسياسي المتصل بالقضية الفلسطينية وغزة. ومن حق الجميع التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ورفض العدوان، لكن ذلك لا يعفي أحدًا من ضرورة التمييز بين نصرة القضية وبين توظيف القضية، وبين التضامن الصادق وبين استغلال المشاعر العامة لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية أو نفوذية.
ولهذا، فإن الوعي اليوم ليس ترفًا فكريًا؛ بل ضرورة وطنية.
علينا أن نقرأ ما وراء العناوين، وأن نفرّق بين الخبر والدعاية، وبين المعلومة والشائعة، وبين النقد والتحريض، وبين الموقف الوطني الصادق والخطاب الذي يحاول جرّ المجتمع إلى اصطفافات لا تخدم الأردن ولا قضاياه.
إنها، بمعنى من المعاني، معركة وعي؛ وهي إحدى أبرز سمات حروب الجيل الخامس التي لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف الإدراك الجمعي، وتعمل على إرباك المفاهيم، وتفكيك الثقة، وصناعة الاستقطاب، وإعادة تعريف الحقائق وفق روايات انتقائية.
وفي هذه المعركة، لا يكون المواطن مجرد متلقٍ لما يُقال، بل يصبح مسؤولًا عن التحقق، والمقارنة، والتمييز، والاحتكام إلى التاريخ والوقائع قبل إصدار الأحكام.
لقد علّمنا التاريخ أن الأردن لم يكن يومًا دولة هامشية في محيطها، بل دولة دفعت من أمنها واقتصادها وجيشها وشعبها أثمانًا كبيرة في سبيل قضايا أمتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ولذلك فإن الوقوف إلى جانب الأردن لا يعني التنصل من قضايا الأمة، كما أن نصرة القضية الفلسطينية لا تعني الانتقاص من الأردن أو تجاوز مصالحه الوطنية.
المبادئ لا تتجزأ بحسب الظروف.
وفي أوقات الرخاء كما في الظروف الحالكة، تبقى الثوابت ثابتة، وتبقى المصلحة الوطنية معيارًا لا يجوز العبث به. ومن هنا، فإن الأردن العظيم، وأمنه، واستقراره، وسيادته، ومصالحه العليا، تبقى فوق كل اعتبار؛ لا لأنها تتناقض مع قضايا الأمة، بل لأنها تمثل الإطار الذي يمكّن الأردن من أداء دوره تجاه وطنه وأمته وفق قدراته وإمكاناته ومسؤولياته.
ولذلك، لم نكن ولن نكون أسرى للشعارات الشعبوية، ولا مطيّة لأي خطاب يستثمر في العاطفة ويعطل العقل. فالمواطن الواعي لا يُقاد بالصوت الأعلى، ولا ينساق خلف كل شعار، بل يسأل ويبحث ويقارن ويقرأ السياق ويضع كل موقف في ميزان المصلحة الوطنية والحقائق التاريخية.
ومن المؤسف أن يتحول الدفاع عن الوطن عند بعض الخطابات إلى تهمة، وأن يُنظر إلى المواطن الذي يتمسك بثوابت بلاده وكأنه مطالب بالاعتذار عن انتمائه. الوطنية ليست جريمة، والاعتزاز بالوطن ليس عنصرية، والدفاع عن السيادة ليس مزايدة، والتمسك بالمصلحة الوطنية ليس خروجًا على القضايا العربية.
وفي المقابل، فإن الوطنية نفسها لا تمنح أحدًا حصانة من النقد أو الخطأ؛ فالأردن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقف العابرة، وأرسخ من أن يُختزل في رأي فرد أو خطاب جماعة.
نحن أبناء وطن واحد، وما يجمعنا أكبر من كل محاولات الاستقطاب. وما قدّمه الآباء المؤسسون والأجداد من تضحيات وعطاء لم يكن إرثًا للتمجيد فقط، بل أمانة تستوجب أن نحافظ عليها بالوعي والعمل والانضباط واحترام الدولة ومؤسساتها، وبالقدرة على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة مع الوطن.
وعلى من يرفع شعار الحرية أن يدرك أن الحرية مسؤولية قبل أن تكون مساحة، وأن الكلمة حين تصدر من صاحبها تصبح أثرًا، وأن الإساءة ليست نقدًا، والتحريض ليس رأيًا، والتشويه ليس شجاعة.
أما نحن، فسنظل نقرأ ونقارن ونسأل ونختلف حيث يجب أن نختلف، ونتفق حيث تفرض المصلحة الوطنية الاتفاق؛ دون تخوين، ودون مزايدات، ودون أن نسمح لأحد أن يحوّل الأردني إلى خصم لأخيه الأردني.
للحديث بقية…
وسيظل الأردن، بإذن الله، وطنًا عزيزًا شامخًا، عصيًا على الفتن، متمسكًا بأمنه واستقراره وسيادته، وفي الوقت ذاته حاضرًا في قضايا أمته، مؤديًا دوره بما يستطيع، ووفق ما تفرضه المسؤولية وما تسمح به الإمكانات.
ذلك هو الانتماء الذي نؤمن به:
وطنٌ نحميه بالوعي قبل الشعارات، وبالموقف قبل المزايدة، وبوحدة الصف قبل كل شيء.
حفظ الله الأردن العظيم، وأدامه عزيزًا آمنًا شامخًا وأدام عليه آمنه وعزّه واستقراره وحفظ قيادته وجيشه وشعبه.
الرجاء الانتظار ...