حين تتكلم الذاكرة الهاشمية من منبر العالم ..

التاج الإخباري -

بقلم: هاني الدباس .

ليست المواقف الكبرى بنت ساعتها، ولا تُقاس الخطابات بما تستنفده من مفردات، بل بما تختزنه من ذاكرة، وما تستبطنه من ثوابت، وما تتركه خلفها من أسئلة عصية على التبديد.

ومن هذه العتبة تحديدا يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة، لا بوصفه واقعة بروتوكولية مكتفية بزمنها، بل باعتباره حلقة في متوالية سياسية هاشمية أقدم من كثير من الأزمات التي يتجادل العالم اليوم حول توصيفها.

فالهاشميون لم يستعيروا فلسطين من راهن السياسة، ولم تدخل القدس إلى قاموسهم تحت وطأة الحدث. ثمة أرومة تاريخية ممتدة جعلت من المقدسات والقضية الفلسطينية جزءا من بنية الموقف لا من زينته، من الشريف الحسين بن علي ورعايته للمقدسات في القدس منذ عشرينيات القرن الماضي، مرورا بملوك بني هاشم، وصولا إلى جلالة الملك عبدالله الثاني، فيما أعادت الاتفاقية الأردنية الفلسطينية عام ٢٠١٣ تثبيت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

ولذلك لا تبدو فلسطين، عند استقراء أرشيف الخطابات الملكية أمام الأمم المتحدة، استجابة انفعالية لمقتضيات الظرف، بل لازمة سياسية تتكرر لأن أصل المعضلة لم يُحسم. ففي عام ٢٠٢٢ أعاد الملك التأكيد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وعلى الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران ١٩٩٧ وعاصمتها القدس الشرقية، محذرا في الوقت ذاته من تقويض الوضع التاريخي والقانوني للقدس.
وفي عام ٢٠٢٤ انتقل الخطاب إلى سؤال أشد تعقيدا؛ سؤال صدقية النظام الدولي ذاته، محذرا من أزمة تمس شرعية المؤسسات الدولية حين تعجز قواعدها عن حماية المدنيين أو حين يغدو تطبيق القانون متفاوتا بتفاوت مواقع القوة. ثم عاد في خطاب ٢٠٢٥ إلى التساؤل عن جدوى تكرار الإدانات من دون فعل، مؤكدا أن الصمت أمام المأساة ليس حيادا بريئا، وأن قيام الدولة الفلسطينية حق لا مكافأة سياسية.
هذه الاستمرارية هي التي تمنح الخطاب الملكي ثقله الدلالي.
فالمشكلة لم تعد في غياب المفردات التي تصف المأساة، بل في استمراء العالم لها؛ في ذلك الاعتياد البطيء الذي يحوّل الاستثناء إلى مألوف، والصدمة إلى رقم، والدم إلى مادة تتناقص قدرتها على استنفار الضمير كلما طال أمدها.
وحين يصبح الألم مألوفا، يغدو أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس إنكارها فقط، بل تطبيع اللامبالاة تجاهها.
ومن هنا تحضر القدس في الخطاب الهاشمي باعتبارها أكثر من جغرافيا متنازع عليها. إنها موضع تتراكب فيه العقيدة بالتاريخ، والسيادة بالرمزية، والسياسة بالذاكرة. وتوثق المصادر الرسمية امتداد الوصاية الهاشمية عبر أجيال، واستمرارها حتى بعد فك الارتباط عام ١٩٨٨ ثم إعادة تأكيدها باتفاق عام ٢٠١٣ .

إنها، بهذا المعنى، ليست ملفا يُستدعى عند اشتداد الاشتباك ثم يعود إلى الأدراج، بل عهد تاريخي تتداخل فيه الشرعية الدينية مع المسؤولية السياسية.
وعندما يُقرأ ذلك كله إلى جانب مواقف جلالة الملك خلال اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك، تتضح البنية الأوسع للموقف الأردني، التشديد على الحقوق الفلسطينية، والتحذير من فرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية وغزة، إلى جانب الدعوة إلى حماية سيادة الدول العربية ودعم أمن سوريا ولبنان واستقرارهما.
وهنا تتبدى معادلة دقيقة في السياسة الأردنية؛ ألا تتحول العروبة إلى نقيض لمصلحة الدولة، ولا تتحول مصلحة الدولة إلى ذريعة للانكفاء عن قضايا الإقليم.
إنها معادلة تحاول أن تجمع بين صلابة السيادة واتساع الانتماء؛ الأردن أولا في أمنه وحدوده ومائه ومصالح شعبه، لكنه ليس جزيرة سياسية منفصلة عن ارتدادات محيطه، ولا يستطيع أن يقرأ أمنه بمعزل عن فلسطين والقدس وسوريا ولبنان وما يعتمل في الإقليم.
ولهذا فإن استدعاء التاريخ هنا ليس ترفا سرديا.
من الشريف الحسين بن علي، إلى الملك المؤسس عبدالله الأول، إلى الملك طلال، فالملك الحسين بن طلال، وصولا إلى الملك عبدالله الثاني، تبدلت بنية العالم، وسقطت إمبراطوريات، وتشكلت دول، وتغيرت التحالفات، وبقيت القدس وفلسطين حاضرتين في المتن السياسي الهاشمي لا في هوامشه. وهذه الاستمرارية موثقة في سجل الوصاية وفي الخطابات الملكية المتعاقبة أمام الأمم المتحدة.
وربما تكمن إحدى أعمق مفارقات اللحظة الراهنة في أن العالم لا يعاني نقصا في المعرفة، بل تضخما فيها، الجميع يرى، والجميع يسمع، والجميع يمتلك الوقائع، لكن وفرة المعرفة لم تستولد بالضرورة وفرة في الإرادة.
وهنا يصبح السؤال الملكي المتكرر حول فاعلية المؤسسات والقانون الدولي سؤالا يتجاوز فلسطين نفسها؛ ما قيمة القانون إن غدا انتقائيا، وما جدوى المؤسسات إن اكتفت بأرشفة الكوارث، وما معنى السلام إذا تحوّل إلى إدارة مؤقتة للظلم بدلا من اجتثاث أسبابه…
إن قراءة الخطاب الملكي خارج أرشيفه تقتطع منه نصف معناه.
أما قراءته في سياق التاريخ الهاشمي، فتكشف أن الكلمات تتبدل، والأحداث تتعاقب، لكن النواة تبقى واحدة، القدس ليست فائض جغرافيا، وفلسطين ليست فائض سياسة، وقضايا الأمة ليست أثرا خطابيا يستدعى لتجميل المنابر. إنها ذاكرة موقف.
والذاكرة حين تتحول إلى مسؤولية لا تعود مجرد استحضار للماضي، بل تصبح طريقة في قراءة الحاضر واستشراف مآلاته. ولهذا، حين يتحدث الملك من نيويورك، لا تبدأ الحكاية عند المنبر ولا تنتهي بانطفاء ميكروفونه، خلف الكلمات قرن من الوقائع، وأمامها إقليم يبحث عن مخرج من استدامة أزماته.
فالزمن قد يبدل خرائط القوة، لكنه لا يمنح الظلم مشروعية بالتقادم، ولا يجعل الحق أقل حقا لأن العالم أرهقه النظر إليه. وربما كانت أقسى هزائم الأمم ليست حين تخسر قضاياها، بل حين ينجح الاعتياد في انتزاع تلك القضايا من ضميرها.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى