الحباشنة يكتب: الخطاب الملكي في الجمعية العامة .. رسائل إلى العالم والإقليم والداخل

التاج الإخباري -

بقلم: المهندس عامر الحباشنة
لم يكن خطاب جلالة الملك في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد كلمة في مناسبة دولية، بل حمل رسائل واضحة إلى العالم والإقليم والداخل الأردني، في لحظة اختلت فيها المعايير وتقدمت المصالح على العدالة والقانون.
إلى العالم، كانت الرسالة أن ازدواجية المعايير لا يمكن أن تصنع سلاما، وأن منطق القوة لا يستطيع إلى الأبد أن يتقدم على قوة القانون والعدالة، وأن استمرار الحماية السياسية لدولة الاحتلال لا يلغي حقيقة ما يجري على الأرض.
وإلى الإقليم، كانت الرسالة أن قضايا المنطقة مترابطة، وأن محاولات التقوقع والنجاة الفردية لا تصمد أمام حقيقة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. مركبنا واحد، ولا نجاة بالتجديف الفردي.
أما الرسالة إلى الداخل الأردني، فهي الأهم.
فلسطين كانت وما زالت وستبقى أم القضايا، وأحد مفاتيح السلام والحرب في المنطقة. وهي بالنسبة للأردن قضية وطنية بقدر ما هي قضية عربية؛ بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصير، لا بوصفها شعارًا موسميًا أو موقفًا سياسيًا قابلًا للتجزئة.
لقد أفضت السنوات الماضية إلى تنازع في الشعارات والمواقف، وإلى محاولات خلق مسافات أو تمايزات تجاه القضية الفلسطينية، وكأنها قضية تقع خارج المجال الوطني الأردني.
وجاء الخطاب الملكي ليضع الأمر في سياقه الطبيعي: الموقف الأردني من فلسطين ليس موقف فئة أو حزب أو تيار، وإنما هو جزء من الوعي والموقف الوطني المرتبط عضويًا بما يجري في الجوار.
أما حالة التمادي والصلف التي يقود بها مشروع الاحتلال مساره، فقد أصبحت واضحة لكل من يتابع. فمحاولات تغيير الجغرافيا والديمغرافيا وفرض الوقائع بالقوة تجري في ظل حالة دولية سمحت بتراجع القانون والأخلاق أمام حسابات القوة والمصلحة.
لكن القوة حين تتحول إلى استعلاء لا تصنع استقرارًا دائمًا، ومن يرى نفسه فوق الجميع قد يكتشف أن التاريخ والجغرافيا والشعوب أكبر من أن تُختصر بإرادة طرف واحد.
سيقال الكثير عن الخطاب الملكي، وستتعدد القراءات حول مضامينه ورسائله، لكن السؤال الأهم ليس ماذا قيل في قاعة الأمم المتحدة، وإنما:
ماذا سنفعل نحن بما قيل؟
كيف نحول هذه الرسائل إلى وعي وطني؟ وكيف تصبح خطابا مشتركا لدى القوى السياسية والأحزاب والنخب والجمهور؟ وكيف نبني عليها موقفًا أردنيًا وعربيًا قادرًا على مخاطبة العالم، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والإنسانية؟
فهذه هي المهمة الحقيقية بعد الخطاب: أن يتحول الموقف إلى وعي، والوعي إلى خطاب، والخطاب إلى سياسة، والسياسة إلى قدرة على التأثير.
وفي عالم تسوده المصالح وتختل فيه المعايير، لا يكفي أن نمتلك الحق؛ علينا أن نمتلك القدرة على التعبير عنه، والدفاع عنه، وتحويله إلى موقف يسمعه العالم ويصعب عليه تجاهله


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى