ترامب يراوغ في أزمة المستوطنات .. لا قطيعة مع إسرائيل ولا مواجهة ضد الحلفاء
التاج الإخباري -
تتبنى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً حذراً تجاه العقوبات التي يفرضها حلفاء الولايات المتحدة على المستوطنات الإسرائيلية، بينما يبدو سفير واشنطن لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وكأنه يتحرك منفرداً في معارضته لهذه الإجراءات.ولم يتطرق ترامب إلى القضية الأربعاء سوى بالقول إنه يدرسها، فيما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو الثلاثاء، أن الولايات المتحدة لا تعتزم فرض عقوبات خاصة بها، من دون إدانة الإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة وعدد من الدول الأخرى.
وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية مطلع على السياسة الإسرائيلية إن واشنطن "تلتزم الحياد"، مضيفاً: "لسنا بحاجة إلى التدخل في كل خلاف بين الحلفاء. إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها وستفعل ذلك"، بحسب "بولتيكو".
ويعكس هذا الموقف نهجاً حذراً تجاه إسرائيل، إذ ينفتح البيت الأبيض على بعض الإجراءات التي قد تدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى التوافق مع جهود ترامب للسلام في المنطقة، لكنه يتجنب في الوقت نفسه خطوات توحي بقطيعة مع إسرائيل، الحليف الأمريكي القديم الذي تخوض واشنطن معه حرباً ضد إيران ويحظى بدعم كبير داخل الحزب الجمهوري.
وقال كورت ميلز، المدير التنفيذي لمجلة "أمريكان كونسيرفاتيف"، إن تصريحات روبيو تكشف رغبة البيت الأبيض في اتخاذ موقف وسط، مضيفاً: "إذا كانت العلاقة مع البريطانيين جيدة إلى حد معقول، وإذا كانت هذه طريقة لكبح جماح نتنياهو، فأعتقد أنهم مستعدون للقيام بذلك".
عقوبات غربية وضغط على إسرائيل
راقبت واشنطن تحركات المملكة المتحدة وفرنسا وكندا لفرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية، مع إعلان هذه الدول عزمها وقف التجارة مع المناطق التي تعتبر على نطاق واسع محتلة بشكل غير قانوني بموجب القانون الدولي.
وأكد مسؤولون بريطانيون أنهم أبلغوا الولايات المتحدة مسبقاً بخططهم، ولم يواجهوا معارضة تُذكر. وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن هناك "قلقاً حقيقياً بشأن ما يحدث" في الضفة الغربية.
وتزامن ذلك مع تصعيد المستوطنين الإسرائيليين هجماتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية، ما أثار إدانة نادرة من مسؤولين أمريكيين والحكومة الإسرائيلية.
كما أيدت حكومة نتنياهو توسيع المستوطنات، بما في ذلك في منطقة E1، التي كانت إسرائيل قد امتنعت سابقاً عن السماح بها بسبب الضغوط الدولية. ومن شأن إقامة المستوطنات هناك تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى قسمين والقضاء فعلياً على إمكانية حل الدولتين.
وأعلن ميليباند الثلاثاء خطة العقوبات، قائلاً إن الحكومة البريطانية "تقرّ بوجود تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية"، وإنها ستتخذ إجراءات ضد الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات تدعم توسيع المستوطنات. لكن تنفيذ الخطة قد يستغرق بين ستة وتسعة أشهر.
في المقابل، لم يدافع ترامب علناً عن إسرائيل، وقال بعد ضغط الصحفيين إنه "اطلع للتو" على القرار، وإنه يريد التحدث مع إسرائيل لمعرفة "تفكيرهم". وأضاف: "أفهم تماماً ما يحدث، لكنني أريد أن أعرف، لماذا حدث ذلك فجأة؟"
حسابات انتخابية وعلاقة حساسة
ترى فيكتوريا كوتس، المسؤولة السابقة في الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى، أن مراوغة الرئيس تعكس حرص البيت الأبيض على تجنب أزمة جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي وقمة ترامب المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وقالت إن إعلانات العقوبات من جانب الحلفاء كانت "لإثارة الصدمة، وليس لتحقيق تأثير فعلي"، وإن المسؤولين الإسرائيليين لم يشعروا بالذعر رغم عدم رضاهم عنها.
وردت إسرائيل بإجراءات مضادة، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، في وقت تواجه فيه حكومة نتنياهو معركة صعبة في الانتخابات المقررة في أكتوبر.
وفي هذا السياق، أكد مسؤول أمريكي أن تصريحات هاكابي التي أدان فيها خطط بريطانيا لم تكن تعكس السياسة الأمريكية، قائلاً: "هاكابي يتصرف بمفرده تماماً في هذا الشأن. يفعل ذلك باستمرار. إنه يعمل بشكل مستقل ولا يستشير أحداً". وكان موقع "أكسيوس" قد أفاد بأن تصريحاته لم تكن منسقة مع البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.
وتزداد حساسية الموقف مع ارتفاع أسعار الطاقة واقتراب انتخابات نوفمبر. فقد تجاوزت أسعار النفط العالمية 100 دولار للبرميل الأربعاء، للمرة الأولى منذ ستة أسابيع.
وقال السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو إن ترامب يواجه بالفعل تضخماً وارتفاعاً في أسعار الوقود واستياءً من القدرة على تحمل التكاليف وحرباً تجارية مع كندا، متسائلاً عما إذا كان يريد إضافة "المزيد من الاضطرابات الاقتصادية مع شركاء تجاريين رئيسيين قبل شهرين من انتخابات التجديد النصفي".
لكن واشنطن لا تستطيع في الوقت نفسه الظهور بمظهر المنفصل عن إسرائيل، خصوصاً بعد خوضها حرباً في الشرق الأوسط إلى جانب حليفتها.
وتاريخياً، عارضت إدارة ترامب العقوبات على المستوطنين، إذ أنهى ترامب خلال ولايته الحالية العقوبات التي فرضتها إدارة جو بايدن على المستوطنين في الضفة الغربية.
ومع استمرار هذا التوجه، أعرب عدد من الجمهوريين عن اعتراضهم على تحركات الحلفاء. وحذر النائب راندي فاين من أن العقوبات قد تدفع فلوريدا إلى منع شركات بريطانية من التعامل مع حكومات الولاية أو الحكومات المحلية، بينما طالبت النائبة كلوديا تيني وزير الخزانة سكوت بيسنت بمراجعة القيود التجارية.
وبين ضغوط الحلفاء، والحسابات الانتخابية، والحاجة إلى الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل، تختار إدارة ترامب حتى الآن سياسة حذرة، تتيح لها الضغط على حكومة نتنياهو من دون الدخول في مواجهة مباشرة معها أو مع حلفائها.
الرجاء الانتظار ...