الريحاني يكتب: حين تتكلم القرايا .. يصبح التاريخ أكثر إنسانية
بقلم: رمزي الريحاني
قراءة في رواية «حكي القرايا» للروائي رمضان الرواشدة
هناك كتب نقرأها ثم نضعها على الرف، وهناك كتب تجعلنا نعيد النظر في المكان الذي نعيش فيه، وفي الحكايات التي سمعناها من آبائنا وأجدادنا ولم نفكر يومًا أنها يمكن أن تكون مادة أدبية قادرة على أن تعيش أجيالًا أخرى. رواية "حكي القرايا" للروائي والإعلامي الأردني رمضان الرواشدة تنتمي إلى النوع الثاني. صدرت الرواية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وهي العمل الروائي الثامن للرواشدة، وقد لفتت منذ صدورها اهتمام القراء والنقاد، لأنها تذهب إلى منطقة شديدة الخصوصية في الذاكرة الأردنية: الجنوب، والشوبك، والقرية، والقلعة، والحكاية الشعبية، والذاكرة التي انتقلت من فم إلى فم قبل أن تجد طريقها إلى الورق. لكن ما يجعل "حكي القرايا" مهمة في رأيي لا يكمن فقط في موضوعها، وإنما في السؤال الذي تضعه أمامنا: من يملك حق رواية التاريخ؟ هل هو المؤرخ الذي يمسك الوثيقة؟ أم السلطة التي كتبت سجلاتها؟ أم الناس الذين عاشوا الأحداث، وحفظوا تفاصيلها، ورووها في المضافات والبيوت والقرى؟ هنا تحديدًا تبدأ مغامرة
رمضان الرواشدة.
"حكي القرايا"... ليست مجرد عبارة
اختيار العنوان ذكي إلى درجة أن الرواية يمكن أن تبدأ من عنوانها قبل أن نصل إلى الصفحة الأولى. "حكي القرايا" يستند إلى المثل الشعبي الأردني حكي القرايا مش مثل حكي السرايا. والفرق بين الكلمتين ليس لغويًا فقط. (السرايا) تمثل مركز السلطة، ومكان القرار، والسجل الرسمي، بينما (القرايا) تمثل الناس الذين يعيشون نتائج القرارات ويختبرونها في حياتهم اليومية. لذلك فإن الرواية، منذ عتبتها الأولى، تمنح الصوت لمن لم يكن يملك عادةً القلم الذي يكتب التاريخ. وهذا ما أشارت إليه قراءات نقدية للرواية، إذ اعتبرت اختيار العنوان مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة العمل وعلاقته بالمروي الشعبي وبذاكرة الناس في مواجهة رواية السلطة. والأجمل أن الرواشدة لا يقول للقارئ: هذا هو التاريخ. بل يقول له، بصورة غير مباشرة: هذه هي الحكاية التي بقيت في ذاكرة المكان. وهنا يصبح الفرق هائلًا.
من الشوبك يبدأ السؤال
تبدأ الرواية عام 1834، مع حملة إبراهيم باشا على الكرك وجنوب الأردن، وما ارتبط بها من محاولات إخضاع عشائر المنطقة وفرض الضرائب والتجنيد. ثم تمتد الأحداث عبر أجيال متعاقبة وصولًا إلى أحداث ثورة الشوبك ضد السلطة العثمانية. لكن الرواشدة لا يتعامل مع هذه الأحداث باعتباره مؤرخًا يريد أن يقدم تسلسلًا زمنيًا للوقائع. وهذه نقطة مهمة جدًا. فالكاتب نفسه أوضح أن الرواية ليست كتابًا في التاريخ ولا محاولة لإعادة كتابة تاريخ الجنوب الأردني، وإنما هي عمل تخييلي استفاد من أحداث تاريخية ومرويات شفوية، وأعاد تشكيلها داخل البناء الروائي. حتى الشخصيات المرتبطة ببعض الأحداث التاريخية ليست بالضرورة الشخصيات الحقيقية نفسها. وهذا في رأيي من نقاط قوة الرواية، وليس من نقاط ضعفها. فالروائي ليس مطالبًا بأن يكون مؤرخًا. هو مطالب بأن يجعلنا نشعر بالتاريخ. وهذا ما تفعله "حكي القرايا"
أربعة أجيال... وقرن ونصف من الذاكرة
تتحرك الرواية عبر حياة أربعة أجيال من أبناء عشائر القلعة في الشوبك، وتمتد على مساحة زمنية تقارب قرنًا ونصف القرن. لكن الزمن في الرواية ليس مجرد أرقام وتواريخ. إنه حياة كاملة. هناك السلطة والصراع معها، وهناك العشيرة، والماء، والكلأ، والغزو، وقطاع الطرق، والثأر، والصلح، والكرم، والفروسية، والخوف، والحب، والبقاء. أي أن الرواية لا تقدم الجنوب بوصفه مسرحًا للأحداث السياسية فقط، وإنما بوصفه مجتمعًا كاملًا له قوانينه وقيمه ومخاوفه وآماله. وهذا ربما هو الجانب الذي وجدته الأكثر أهمية. فنحن عندما نقرأ التاريخ الرسمي نعرف غالبًا من حكم، ومن انتصر، ومن خسر.
لكننا لا نعرف دائمًا: كيف كان الناس يعيشون؟ كيف كانوا يخافون؟ كيف كانوا يحمون أبناءهم؟ كيف كانوا يتعاملون مع الماء؟ كيف كانوا يحلون النزاعات؟ كيف كانوا يتحدثون في لياليهم الطويلة؟ وكيف كانت الحكاية تنتقل من جيل إلى جيل؟ "حكي القرايا" تدخل إلى هذه المنطقة بالذات.
الرواية كذاكرة اجتماعية
أعتقد أن القيمة الأهم للرواية تكمن في أنها لا تحفظ حدثًا واحدًا، بل تحفظ طريقة مجتمع كامل في تذكر نفسه. وهنا تصبح الرواية أقرب إلى ذاكرة اجتماعية للأردنيين في مرحلة سبقت الدولة الحديثة بصورتها المعروفة. إنها تستعيد عالمًا كانت فيه الهوية تتشكل من المكان والعشيرة والعائلة والتحالف والخصومة والكرم والفروسية وقواعد الصلح، قبل أن تصبح الدولة الحديثة الإطار السياسي والاجتماعي المركزي. وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز الشوبك نفسها. فالشوبك في "حكي القرايا" ليست مجرد موقع جغرافي. إنها بوابة إلى سؤال أكبر: كيف تشكل الإنسان الأردني قبل أن تكتمل ملامح الدولة الأردنية الحديثة؟ وهنا أرى أن الرواية تفتح بابًا مهمًا للأدب الأردني.
بين التاريخ والتخيل
أكثر ما أعجبني في تجربة الرواشدة أنه لم يقع في فخ الادعاء بأن الرواية هي التاريخ. هناك فرق بين أن تقول: هذا ما حدث وبين أن تقول: هكذا يمكن أن نتخيل ما حدث، من خلال ذاكرة المكان وحكايات أهله. الرواشدة اختار الطريق الثاني. وقد وصف هو نفسه الرواية بأنها عمل تخييلي، استفاد من بعض المرويات الشفوية والأحداث التاريخية، ثم أعاد بناءها روائيًا. وهذا يمنح الكاتب حرية فنية واسعة. فالخيال هنا لا ينافس الحقيقة التاريخية، وإنما يحاول الاقتراب من ما وراء الحقيقة المسجلة. ما وراء الحدث. ما وراء الوثيقة. ما وراء الاسم والتاريخ. إنه يبحث عن الإنسان الذي كان يقف خلف كل ذلك.
تقنية «اللوحات» بدل السرد التقليدي
ومن الناحية الفنية، اختار الرواشدة أسلوبًا يتناسب مع طبيعة المادة التي يشتغل عليها. بدل أن يسير في خط زمني طويل ومباشر، يعتمد على لوحات سردية وفصول منفصلة تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة، مع حضور واضح للاستذكار والارتداد الزمني والتداعي. وقد أشار الكاتب نفسه إلى أن هذه الطريقة أقرب إلى أسلوبه في الكتابة من السرد الروائي الكلاسيكي. وهذا الاختيار مفهوم جدًا. فالحكاية الشعبية نفسها لا تسير دائمًا في خط مستقيم. الجدة تبدأ بقصة، فتتذكر قصة أخرى، ثم يتدخل أحدهم فيضيف تفصيلًا، ثم يعود الحديث إلى شخص مات منذ سنوات، ثم تنتقل الحكاية إلى واقعة أخرى. الذاكرة لا تكتب خطًا مستقيمًا. والرواية، في هذه الحالة، تبدو وكأنها تحاول أن تحاكي طريقة عمل الذاكرة نفسها.
الرجاء الانتظار ...