العداربة يكتب: المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني .. 17 عاماً من الحوار والسعي نحو المستقبل
بقلم: أحمد العداربة
على مدى سبعة عشر عاماً، واصل المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني مسيرته بوصفه مساحة وطنية للحوار والنقاش حول أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية، جامعاً تحت مظلته مختلف الأطراف والخبرات ذات الصلة، ومقدماً المشورة والرأي لصانع القرار بشأن السياسات والقضايا التي تمس حاضر الأردن ومستقبله.
فقد صدرت الإرادة الملكية بتشكيل المجلس في 23 تشرين الأول 2007، فيما تأسس رسمياً في 7 تموز 2009، ليكون هيئة استشارية تقدم للحكومة الأردنية المشورة حول القضايا والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ولم تُبنَ تجربة المجلس بمعزل عن الجهود التراكمية لقياداته المتعاقبة وكوادره والعاملين فيه، إذ أسهمت مرحلة التأسيس، وما تبعها من إدارات وأمانات عامة، في ترسيخ تجربته وتطوير أدوات عمله وتوسيع نطاق حضوره في النقاشات الوطنية المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع.
وخلال هذه المسيرة، مرّ المجلس بمراحل مختلفة تركت كل منها أثراً في تجربته، وتراكمت لديه خبرات ودراسات وأوراق عمل وتجارب بحثية وحوارية، جعلت منه طرفاً حاضراً في كثير من النقاشات المتعلقة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن.
الحوار.. جوهر الفكرة
عند الحديث عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فإن الحديث لا يقتصر على مؤسسة تقدم الدراسات والتوصيات، بل يتصل بفكرة تقوم في جوهرها على الحوار وتعدد وجهات النظر قبل وصول القضايا إلى صانع القرار.
فالمجلس يمثل مساحة تلتقي فيها الخبرات والكفاءات من مختلف القطاعات، بما يشمل الحكومة وأصحاب العمل والعمال والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، لمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية من زوايا متعددة، والاستماع إلى الآراء المختلفة بشأنها، وصولاً إلى رؤى وتوصيات تستند إلى المعرفة والخبرة والحوار.
وجاء تأسيس المجلس في إطار رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني التي أكدت أهمية المشاركة والاستماع إلى مختلف الآراء والخبرات عند التعامل مع القضايا الوطنية، انطلاقاً من قناعة بأن بناء السياسات العامة لا يمكن أن يقوم على رؤية أحادية، وإنما يتطلب إشراك مختلف القطاعات والخبراء وأصحاب المصلحة في مناقشة التحديات والفرص.
ومن هنا، اكتسب الحوار الذي يقوده المجلس أهمية خاصة، باعتباره وسيلة للوصول إلى قرارات وسياسات أكثر توازناً وارتباطاً باحتياجات المجتمع، وبما ينسجم مع مسيرة التنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في المملكة.
المعرفة في خدمة السياسات
وعلى امتداد سنوات عمله، استطاع المجلس بناء رصيد متراكم من الدراسات وأوراق العمل والأبحاث المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية، مستفيداً من الحلقات واللقاءات الحوارية التي نظمها لمناقشة مختلف الملفات الوطنية، ومن مشاركة خبراء ومتخصصين من مجالات متعددة.
وتكمن أهمية هذا الدور في تحويل الحوار من مجرد تبادل للآراء إلى عملية لإنتاج المعرفة، وتوظيفها في فهم التحديات واقتراح البدائل والسياسات القابلة للتطبيق.
فالقيمة المضافة للمجلس لا ترتبط فقط بما يصدر عنه من توصيات، وإنما أيضاً بالمساحة التي يوفرها لجمع أصحاب الخبرة والاختصاص حول القضايا الوطنية، وإتاحة الفرصة أمام تعدد الآراء ووجهات النظر، بما يعزز جودة النقاش العام حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
شراكات أوسع وأولويات جديدة
ويواصل المجلس مسيرته مستنداً إلى تراكم الخبرات الأكاديمية والبحثية والتجارب التي راكمتها قياداته وإداراته المتعاقبة، في الوقت الذي شهدت فيه المرحلة الأخيرة نشاطاً ملحوظاً في توسيع الشراكات والتعاون مع المؤسسات الوطنية والدولية.
وشمل ذلك إبرام مذكرات تفاهم وشراكات تهدف إلى تبادل الخبرات، وتطوير الدراسات، وتعزيز الحوار حول السياسات العامة، إلى جانب دعم أهداف التنمية المستدامة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
كما عمل المجلس على توسيع دائرة التعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما يعزز التكامل بين المعرفة البحثية والخبرة العملية والإدارية والتشريعية في صياغة السياسات العامة، ويسهم في متابعة مخرجات الحوار والتوصيات وتحويل ما يمكن منها إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
وتأتي هذه الجهود في وقت يواجه فيه الأردن مجموعة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحيوية، وفي مقدمتها البطالة، وتطوير التعليم، وجذب الاستثمار، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتسريع التحول الرقمي، وهي ملفات تتطلب استمرار الحوار بين مختلف الأطراف، والاستناد إلى المعرفة والبيانات والخبرات في صياغة السياسات والاستجابات المناسبة.
17 عاماً.. والمستقبل هو البوصلة
بعد سبعة عشر عاماً على تأسيسه، تبدو تجربة المجلس الاقتصادي والاجتماعي حصيلة لمسار تراكمي من الحوار والبحث وتبادل الخبرات، أسهمت فيه مجالس وإدارات وأمانات عامة وكوادر متعاقبة، وراكمت خلاله المؤسسة خبرة في التعامل مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأكثر ارتباطاً بحياة الأردنيين.
وتبقى أهمية المجلس في قدرته على مواصلة أداء دوره كمنبر وطني يجمع مختلف الأطراف حول طاولة واحدة، ويقرّب وجهات النظر، وينقل صوت الخبراء وأصحاب المصلحة إلى دائرة صناعة السياسات.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، فإن التحدي أمام المجلس لا يتمثل فقط في الحفاظ على ما تحقق خلال السنوات الماضية، وإنما في البناء عليه وتطوير أدوات الحوار والبحث، واستشراف القضايا القادمة، بما يجعله أكثر قدرة على الإسهام في صياغة سياسات تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستشرف احتياجات المستقبل.
فالمسيرة التي بدأت قبل سبعة عشر عاماً لم تكن مجرد رحلة زمنية لمؤسسة وطنية، بل تجربة متراكمة في الحوار وإنتاج المعرفة والسعي إلى تقريب المسافة بين الرأي والسياسة، لتبقى البوصلة دائماً نحو مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
الرجاء الانتظار ...