أين هي حكومة جعفر حسان؟

التاج الإخباري -

بقلم: المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين.

الصورة الجامعة تقول إن الأردن يعمل بجهد كبير في لحظة شديدة التعقيد. دولة تتحرك في الوقت نفسه لمعالجة البطالة، وبناء المدارس، وحماية السوق من ارتفاع كلف الشحن، وتأمين طرق الإمداد عبر العقبة، وتخفيض كلفة الطاقة على الصناعة، وتطوير غاز الريشة، واستكشاف النحاس والذهب والثروات الطبيعية، وإعادة تنظيم الإدارة المحلية والعمل الوزاري، بينما تحمي حدودها من المخدرات والمسيّرات وسماءها من الاعتداءات الصاروخية الإيرانية، وتراقب غرباً ضفة غربية يمكن لأي انفجار واسع فيها أن يتحول إلى تحدٍ مباشر للأمن الوطني الأردني. هذه هي الصورة التي نحتاج إلى جمعها أمام المواطن؛ ليس باعتبارها كشف إنجازات، بل لأنها تكشف حجم العمل الذي تقوم به الدولة وحجم التحديات الخطيرة التي تديرها في اللحظة نفسها.

ومن هذه الزاوية يصبح السؤال: أين هي حكومة جعفر حسان؟ مدخلاً لقراءة ما يحدث على الأرض. فالبطالة بين الأردنيين تصل عند 21%، وفي مقابل هذا التحدي يجري العمل بجهد كبير على قاعدة اقتصادية أوسع قادرة على خلق فرص العمل بصورة مستدامة.

وفي التعليم أنجزت الدولة 86 مدرسة جديدة و90 مشروع توسعة خلال عام، ثم قررت إنشاء 30 مدرسة نموذجية إضافية بنحو 40 مليون دينار.

وفي التجارة مددت الحكومة الإعفاء المرتبط بارتفاع أجور الشحن البحري لتخفيف أثر الاضطرابات الإقليمية على السوق، بالتزامن مع العمل على استدامة الإمدادات عبر العقبة والبحث في البدائل اللوجستية التي تحمي وصول السلع والمواد الأساسية إلى المملكة.


وفي الصناعة والطاقة تظهر ملامح نهج اقتصادي أكثر ترابطاً. فمشروعا إيصال الغاز الطبيعي إلى الموقر والروضة الصناعية في معان بقيمة 70 مليون دولار لا يتعلقان بمد خط أنابيب فحسب، بل بمحاولة تخفيض أحد أهم عناصر كلفة الإنتاج.

وفي الريشة يجري تنفيذ برنامج لحفر 80 بئراً حتى 2030، مع استهداف رفع إنتاج الغاز إلى نحو 418 مليون قدم مكعب يومياً، بالتوازي مع خفض خسائر قطاع الطاقة بنحو 113 مليون دينار وفق الأرقام الرسمية.

وفي التعدين تحركت الاتفاقيات التنفيذية للذهب والنحاس في أبو خشيبة، فيما يستمر العمل على الفوسفات والعناصر الأرضية النادرة. وعندما تقرأ هذه المشاريع معاً، فإنها تكشف محاولة واضحة لتحويل الطاقة والثروات الطبيعية من ملفات قطاعية منفصلة إلى أدوات إنتاج واستثمار ونمو.

ولا تتوقف الصورة عند المشاريع الكبرى.. هناك برامج للإسكان الميسر للأسر محدودة الدخل، واستمرار لإيصال الكهرباء عبر فلس الريف إلى المنازل والتجمعات والمشاريع والمواقع التي تحتاجها، فيما تتجه مشاريع المدارس والبنية التحتية والطاقة بصورة متزايدة إلى المحافظات.

وهذه نقطة مهمة في فهم المرحلة؛ لأن التنمية لا تقاس فقط بحجم الاستثمار الكلي، بل بقدرة المشروع على توسيع الجغرافيا الاقتصادية للأردن وربط الأطراف بمراكز الإنتاج والفرص.
وفي الإدارة والسياسة تتحرك الدولة بالتوازي على مسار آخر. قانون الإدارة المحلية الجديد يعيد النظر في الحوكمة وتمثيل النساء والشباب والشراكة مع القطاع الخاص، فيما يجري إعداد إطار أكثر وضوحاً لضبط العمل الوزاري ومنع تضارب المصالح في العطاءات والمناقصات والمشاريع الحكومية. وفي الوقت نفسه انتقل التحديث السياسي من مرحلة بناء القوانين الجديدة إلى مرحلة ترسيخ العمل الحزبي والبرامجي داخل مجلس النواب والمجتمع.

وهذه المسارات لا تنفصل عن التحديث الاقتصادي؛ فاقتصاد أكثر تنافسية يحتاج إدارة أكثر كفاءة، والإدارة الحديثة تحتاج مؤسسات سياسية ومحلية قادرة على حمل مسؤوليات أكبر.
لكن قراءة أداء الحكومة بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة بالأردن ستنتج صورة ناقصة تماماً. خلال الربع الأول من العام وحده أحبطت القوات المسلحة 156 محاولة تسلل وتهريب، وضبطت أكثر من 9.2 مليون حبة كبتاغون وأسقطت 26 طائرة مسيرة. ووسائل التهريب نفسها تتطور من المحاولات التقليدية إلى المسيّرات وصولاً إلى البالونات الموجهة، وهو ما يعني أن حماية الحدود أصبحت عملية تقنية مستمرة تتطلب جاهزية وقدرات تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها أدوات التهديد.

وفوق ذلك يتعامل الأردن مع اعتداءات عسكرية مباشرة من إيران، أحدثها كان فجر التاسع من أيلول حيث أعلنت القوات المسلحة تعرض المملكة لاعتداء صاروخي مصدره الأراضي الإيرانية، شمل عشرين صاروخاً باليستياً أطلقت باتجاه الأراضي الأردنية، وتمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض وتدمير ثمانية عشر منها، فيما سقط اثنان في مناطق خالية من السكان دون خسائر بشرية. وهذه الواقعة تأتي ضمن سلسلة اعتداءات إيرانية تعرضت لها المملكة خلال العام، بما يضع أمام الدولة تحدياً أمنياً من مستوى مختلف: حماية المجال الجوي والأراضي الأردنية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، مع المحافظة في الوقت نفسه على انتظام الاقتصاد وحركة التجارة والطيران والخدمات.

ومن الغرب تقف الضفة الغربية بوصفها ملفاً آخر شديد الحساسية. لا يوجد اليوم تهجير جماعي باتجاه الأردن، لكن استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير الداخلي للفلسطينيين يجعل احتمال اندلاع حرب واسعة هناك خطراً لا يمكن إغفاله. فإذا تحول النزوح الداخلي إلى ضغط باتجاه الأغوار والحدود الأردنية، فإن القضية تصبح مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني سياسياً وديموغرافياً وأمنياً. ومن هنا يمكن فهم ثبات الموقف الأردني الرافض للتهجير باعتباره موقفاً يحمي في الوقت نفسه الحق الفلسطيني والمصلحة الوطنية الأردنية.

وعندما تجمع كل ذلك في مشهد واحد، تظهر حقيقة يصعب ملاحظتها وسط سرعة الأخبار اليومية: الأردن يعمل بصمت. مدارس تُبنى، وطاقة يعاد ترتيبها، وغاز يجري تطويره، وصناعة يجري تخفيض كلفتها، وثروات طبيعية تتحول إلى مشاريع، وإدارة محلية يعاد تنظيمها، وحوكمة حكومية تتطور، وإسكان وخدمات تمتد إلى شرائح ومناطق جديدة، وحدود تواجه شبكات مخدرات متطورة، ودفاعات جوية تتصدى للصواريخ، ودولة تراقب بعناية ما يجري غرب النهر، بينما تستمر في التعامل مع البطالة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا ربما هو المفتاح لفهم حكومة جعفر حسان. نحن أمام حكومة لا تتحرك في ملف واحد ولا تعمل في ظروف اقتصادية وسياسية طبيعية. ما يجري هو إدارة عدة مسارات كبرى في وقت واحد: تحديث اقتصادي، وتحديث إداري، وتحديث سياسي، ومشاريع بنية تحتية وطاقة، وحماية اجتماعية، وأمن حدود، ودفاع عن المجال الجوي، وإدارة آثار إقليم مشتعل. واللافت أن حركة الدولة لم تتوقف أمام اتساع هذه الجبهات، بل استمرت المشاريع والقرارات والتنفيذ بالتوازي معها.

لذلك فإن السؤال "أين هي حكومة جعفر حسان؟" ربما تكمن إجابته في جمع التفاصيل التي نمر عليها كل يوم منفردة. فحين توضع هذه الوقائع إلى جانب بعضها، لا نعود أمام مجموعة أخبار حكومية متفرقة، بل أمام دولة تعيد بناء أجزاء من اقتصادها وبنيتها التحتية وإدارتها، بينما تحمي حدودها وسماءها وتستعد لمخاطر إقليمية استثنائية. وهذه الصورة الجامعة تستحق أن تصل إلى المواطن؛ لأن معرفة حجم ما يجري ليست مجاملة للحكومة، بل شرط لفهم المرحلة التي يمر بها الأردن، وحجم العمل الذي يجري فيها، وحجم المسؤولية التي تحملها الدولة الأردنية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى