من "رأس غليص" إلى شاشة صنعت ذكرياتنا .. من يملك حق "خصخصة" التلفزيون الأردني؟

التاج الإخباري -

وفاء صبيح.

قبل أكثر من أربعين عامًا، كنا نجتمع أمام شاشة واحدة، ننتظر برامج الأطفال والمسلسلات التي ستُعرض على شاشة التلفزيون الأردني، بدءًا من "وضحا وابن عجلان" و"رأس غليص"، مرورًا بـ "حارة أبو عواد" و"العلم نور"، ووصولًا إلى "مرزوق وسمعة" .. هذه المسلسلات وغيرها الكثير لم تكن مجرد أعمال تُعرض على الشاشة، إنما كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين.

كما كانت برامج مثل المناهل وغيرها حاضرة في ذاكرة الأطفال، فيما كانت المسلسلات تجمع العائلة حول شاشة واحدة، قبل أن تتعدد الشاشات وتدخل الفضائيات ثم المنصات الرقمية إلى كل بيت.

أذكر آنذاك أنني كنت أجلس إلى جانب جدتي  - رحمها الله - وننتظر بشغف المسلسلات البدوية، لا لمتابعة أحداثها فقط، بل لنستمع إلى تلك اللهجة التي كانت تحمل إلينا شيئًا من البداوة والأصالة، وتشبه في تفاصيلها جزءًا من حياتنا وذاكرتنا.

لم تكن الفضائيات قد غزت البيوت، ولم تكن القنوات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي قد وُجدت أصلًا، لكن التلفزيون الأردني كان حاضرًا في كل بيت تقريبًا، وكانت شاشته تمثل "لَمّة العائلة" الأردنية.

ولعل أبناء جيلي، من جيل السبعينات والثمانينات، يتذكرون تمامًا ما أقول؛ يتذكرون تلك اللحظة التي كانت فيها الأسرة تجتمع حول التلفزيون، ويتذكرون أسماء البرامج والمسلسلات والمذيعين، ويتذكرون كيف كانت شاشة واحدة قادرة على أن تجمع أفراد العائلة في وقت واحد.

تلك ليست مجرد ذكريات عابرة، بل جزء من ذاكرة مجتمع ودولة، ومن تاريخ إعلامي امتد لعقود.

واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على ولادة التلفزيون الأردني، لا يمكن تجاهل التحولات الكبيرة التي شهدها خلال مسيرته، إذ تواكب الشاشة الوطنية التطور الذي فرضته التكنولوجيا وتغيرت معه عادات المشاهدة وأذواق الجمهور.

ومن هنا، يواصل التلفزيون الأردني مسيرته نحو التطور، وقد شهد خلال العامين الماضيين حراكًا واضحًا على مستوى البرامج والأعمال التي تُعرض على شاشته، في ظل وجود مدير عام جديد من أبناء المؤسسة، يعرف تفاصيلها ومطلع على احتياجاتها.

كما أن القناة الرياضية بدأت هي الأخرى خطوات لتطوير حضورها ومحتواها، بما ينسجم مع أهمية الرياضة في المشهد الأردني، ومع المنافسة الكبيرة التي تشهدها الشاشات والمنصات الرياضية اليوم.

وللعلم.. التلفزيون الأردني ليس مجرد شركة تبحث عن الربح، ولا مجرد شاشة يمكن التعامل معها بمنطق البيع والشراء، هو تلفزيون الدولة، وجزء من مؤسساتها، وذاكرة وطنية تمتد لأكثر من نصف قرن.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل الحل فعلًا في الخصخصة لتطوير المؤسسة من الداخل، ودعم الكفاءات الموجودة فيها، ومنحها الأدوات والمساحة اللازمة للعمل والإبداع؟

هل تخلو مؤسسة التلفزيون الأردني من الكفاءات؟ بالتأكيد لا.

وهل تخلو من أصحاب الخبرة والأفكار والقدرة على تطوير المحتوى؟ أيضًا لا.

التطوير لا يعني الخصخصة، والإصلاح لا يعني التخلي، والنقد لا يعني أن نهدم مؤسسة صنعت ذاكرة أجيال، لذا لسنا بحاجة إلى أن نسلم مفاتيح التلفزيون الأردني لآخرين ليتصرفوا به كما يشاؤون.

فمن يجلس اليوم أمام شاشة التلفزيون الأردني لا يرى فقط برنامجًا أو مسلسلًا أو نشرة أخبار؛ إنما يرى صورة من طفولته، أو صوت مذيع رافقه سنوات، أو يتذكر جدّةً كانت تجلس إلى جانبه، كما كنت أجلس إلى جانب جدتي قبل أكثر من أربعين عامًا، بانتظار مسلسل بدوي يعيد إلينا شيئًا من البداوة والأصالة.

لهذا، فإن التلفزيون الأردني ليس مجرد شاشة نختلف على مستوى أدائها؛ إنه جزء من حكاية الأردن، وحكاياتنا الوطنية لا تُخصخص يا سادة بل تُطوّر وتُحافظ عليها الأجيال.

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى