من الاستيقاظ حتى النوم .. كم قراراً تتخذه التطبيقات نيابة عنك؟

التاج الإخباري -

تستيقظ صباحًا على صوت المنبه، تمسك هاتفك لتوقفه، وقبل أن تغادر السرير يظهر أمامك إشعار برسالة جديدة، ثم تقترح عليك منصة اجتماعية مقطعًا لم تطلبه، ويعرض تطبيق الأخبار عناوين اختارها لك مسبقًا، بينما يقترح تطبيق الطقس ما إذا كنت تحتاج إلى مظلة قبل الخروج.

قد يبدو كل ذلك مجرد خدمات مريحة توفر عليك الوقت، لكن خلف هذه التفاصيل الصغيرة تعمل أنظمة توصية وبرمجيات تجمع الإشارات من سلوكك السابق لتقرر ما الذي سيظهر أمامك، ومتى سيظهر، وما الذي قد يدفعك إلى النقر عليه. وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية، وهو كم قرارًا تتخذ التطبيقات نيابةً عنك خلال يوم واحد؟

هاتفك لا ينتظر اختياراتك دائمًا

لم تعد التطبيقات مجرد أدوات تنفذ أوامر المستخدم. فالكثير منها أصبح يتوقع ما قد يحتاج إليه المستخدم قبل أن يطلبه. فعند فتح تطبيق موسيقى، قد تجد قائمة تشغيل جاهزة بناءً على الأغاني التي استمعت إليها سابقًا. وفي منصات الفيديو، لا تحتاج إلى البحث عن المحتوى؛ إذ تتولى البرمجيات ترتيب مقاطع مقترحة باستمرار.

والأمر نفسه يحدث في تطبيقات التسوق، التي تراقب عمليات البحث والمنتجات التي شاهدتها والسلع التي أضفتها إلى سلة المشتريات، ثم تستخدم هذه البيانات لتقديم توصيات جديدة. وبمرور الوقت، يصبح الهاتف أشبه بمساعد رقمي يتعلم من صاحبه، لكنه في الوقت نفسه يبدأ بالتأثير في اختياراته.

من الأخبار إلى مواقع التواصل

ربما يكون تأثير البرمجيات أكثر وضوحًا في منصات التواصل الاجتماعي. فعندما تفتح تطبيقًا مثل فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، لا تظهر المنشورات والفيديوهات أمامك بترتيب عشوائي. فالمنصة تستخدم مجموعة من الإشارات لتحديد المحتوى الذي تعتقد أنك ستتفاعل معه.

وقد تشمل هذه الإشارات ما شاهدته سابقًا، والحسابات التي تتابعها، والمنشورات التي أعجبت بها، والوقت الذي تقضيه في مشاهدة مقطع معين. وهذا يعني أن التطبيق يتخذ قرارًا مهمًا قبل المستخدم، وهو ما الذي سيراه أولًا؟ وقد يبدو هذا القرار بسيطًا، لكنه يمكن أن يؤثر في الموضوعات التي يقرأها الشخص، والمنتجات التي يتعرف إليها، وحتى القضايا التي تستحوذ على اهتمامه خلال اليوم.

تختار لك ما تشتريه

في التجارة الإلكترونية، تتحول التوصيات إلى أداة أكثر مباشرة للتأثير في قرارات الشراء. فبعد البحث عن منتج معين، قد تبدأ المنصة بعرض منتجات مشابهة أو ملحقات مرتبطة به، وقد تظهر أمام المستخدم عروض وخصومات مصممة وفق سلوكه السابق.

ولا يعني ذلك أن التطبيق يقرر الشراء بدلًا منك، لكنه يستطيع التأثير في الخيارات التي تصل إليها أولًا. فالفرق كبير بين أن تبحث بنفسك عن عشرات المنتجات، وبين أن يقدم لك التطبيق مجموعة محددة ويقول لك بصورة غير مباشرة هذه هي الخيارات التي قد تناسبك.

طريقك قد يحدده الهاتف

تطبيقات الخرائط مثال آخر على القرارات التي أصبحت مؤتمتة. فبدلًا من اختيار الطريق يدويًا، يعتمد التطبيق على بيانات حركة المرور والمسافة والوقت المتوقع للوصول ليقترح مسارًا معينًا. وقد يتغير المسار أثناء الرحلة، إذا اكتشف النظام ازدحامًا أو حادثًا أو طريقًا أسرع. وفي هذه الحالة، يتخذ التطبيق سلسلة من القرارات الصغيرة في الخلفية، بينما يكتفي المستخدم باتباع التعليمات.

ومع انتشار الخدمات المعتمدة على الموقع، أصبحت هذه القدرة أكثر تطورًا، خصوصًا عندما تجمع التطبيقات بين الموقع والوقت وسجل الاستخدام لتقديم اقتراحات أكثر تخصيصًا.

رفع مستوى التخصيص

مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى التطبيقات والهواتف، أصبح التأثير أكثر تعقيدًا. فالأنظمة الحديثة لا تعتمد فقط على قواعد ثابتة، بل تستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف أنماط في سلوك المستخدم.

وقد تستخدم هذه الأنظمة المعلومات المتاحة لتقديم اقتراحات تتعلق بالمحتوى أو المواعيد أو التطبيقات أو عمليات البحث؛ ما يجعل الهاتف أكثر قدرة على توقع احتياجات صاحبه. لكن المشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود هذه الاقتراحات، وإنما في أن المستخدم قد يعتاد عليها إلى درجة يتوقف معها عن البحث أو المقارنة بنفسه.

الراحة لها ثمن

توفر البرمجيات وقتًا وجهدًا كبيرين. فمن المفيد أن يقترح الهاتف طريقًا أقل ازدحامًا، أو قائمة موسيقى تناسب ذوق المستخدم، أو منتجًا يبحث عنه بالفعل. لكن الاعتماد المستمر على التوصيات يطرح سؤالًا آخر يتعلق بالخصوصية والاستقلالية.

فكلما أراد التطبيق أن يصبح أكثر دقة، احتاج غالبًا إلى فهم المزيد عن المستخدم وسلوكه واهتماماته. ولهذا فإن القضية ليست في عدد القرارات التي تتخذها التطبيقات بالمعنى الحرفي، بل في عدد اللحظات التي تؤثر فيها البرمجيات على ما نراه ونقرأه ونشتريه ونختاره. 

كيف تستعيد السيطرة؟

لا يحتاج المستخدم إلى التخلي عن التطبيقات حتى يستعيد قدرًا أكبر من التحكم. فالبداية تكون بفهم إعدادات الخصوصية والتوصيات، ومراجعة الأذونات الممنوحة للتطبيقات، وتعطيل الإشعارات غير الضرورية. ومن المفيد أيضًا عدم التعامل مع الاقتراحات باعتبارها أفضل خيار تلقائيًا.

فعندما يقترح الهاتف منتجًا أو خبرًا أو فيديو أو طريقًا، يمكن للمستخدم أن يسأل نفسه هل اختار هذا فعلًا، أم أن التطبيق اختاره له؟ فالهاتف قد يوفر عشرات القرارات الصغيرة يوميًا، لكن الفرق الحقيقي يكمن في أن تظل أنت صاحب القرار النهائي. وفي عالم تتحول فيه التطبيقات تدريجيًا من أدوات تنتظر أوامرك إلى أنظمة تتوقع ما ستفعله لاحقًا، قد تصبح القدرة على التوقف والتفكير قبل النقر واحدة من أهم المهارات الرقمية في الحياة اليومية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى