شديفات يكتب: قبل أن نخصخص التلفزيون الأردني .. هل شاهدتم ما يحدث خلف الكاميرا؟

بقلم: عبدالرحمن خلدون شديفات   

من السهل جداً أن تجلس أمام الشاشة وتطلق الأحكام… لكن الأصعب أن تدخل خلف الكاميرا لترى كيف تُصنع الصورة.

التلفزيون الأردني ليس قناة تجارية تبحث عن أعلى نسبة مشاهدة، ولا منصة رقمية تستطيع أن تختار من الأحداث ما يناسب خوارزمياتها.

التلفزيون الأردني تلفزيون وطن، ويحمل شعار الدولة، ويمثل الأردن.

ولهذا تحديداً، فإن نقده حق، ومحاسبته حق، والمطالبة بتطويره حق مشروع، لكن تحويل النقد إلى أحكام نهائية على مؤسسة وطنية كاملة يحتاج إلى قدر أكبر من الموضوعية، وإلى معرفة حقيقية بما يجري داخل غرف الأخبار والاستديوهات ومواقع النقل.

هل شاهدتم ما يحدث في يوم رياضي واحد؟

في يوم واحد، قد يجد التلفزيون الأردني نفسه أمام مباراتين أو ثلاث مباريات تحتاج إلى تغطية وإنتاج ونقل في مواقع مختلفة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فرق فنية تتحرك، كاميرات ووحدات نقل، مخرجون، مصورون، مهندسو صوت، فنيون، مراسلون، معلقون، منتجون، غرف أخبار، تنسيق لوجستي، وتجهيزات تعمل بالتوازي.

كل ذلك حتى يصل المشاهد إلى لحظة واحدة على الشاشة.

ثم يأتي من يقول: لم يحدث تغيير نوعي!

حسناً…

فلنترك الشاشة دقيقة واحدة، ولنذهب إلى خلفها.

فلنشاهد حجم العمل الذي يحدث قبل أن تبدأ المباراة، وليس فقط النتيجة التي تصل إلى جهاز التلفزيون.

نعم.. هناك أخطاء

ولا أحد يقول إن التلفزيون الأردني وصل إلى الكمال.

هناك أخطاء.

وهناك قرارات تحتاج إلى مراجعة.

وهناك برامج تحتاج إلى إعادة تقييم.

وهناك جوانب تقنية ومهنية وإدارية يجب تطويرها.

لكن المؤسسة التي تخطئ يمكن إصلاحها.

أما المؤسسة التي نقرر مسبقاً أنها فاشلة، ثم نبني على هذا الحكم مشروعاً كاملاً لإعادة تشكيلها، فهنا يصبح السؤال سياسياً قبل أن يكون إعلامياً:

هل نحن أمام خطة تطوير حقيقية؟ أم أمام قناعة مسبقة بأن الحل يبدأ بإضعاف المؤسسة الوطنية؟

ومن قال إن الخصخصة هي الوصفة السحرية؟

هذه هي النقطة التي يجب أن تُناقش بصراحة.

إذا كانت القنوات الخاصة قادرة على تقديم منتج أفضل في بعض المجالات، فهذا لا يعني تلقائياً أن الحل هو تسليم التلفزيون الأردني للقطاع الخاص.

القناة الخاصة تختار.

تختار ما تنتج، ومتى تنتج، وأين تستثمر، وما الذي يحقق لها عائداً.

أما تلفزيون الدولة فلا يملك هذه الرفاهية.

عندما تقع أزمة، يجب أن يكون موجوداً.

عندما يحدث حدث وطني، يجب أن يكون موجوداً.

عندما يخوض المنتخب الوطني مباراة، يجب أن يكون موجوداً.

وعندما يحتاج الأردن إلى صوته الرسمي، يجب أن تكون هناك مؤسسة إعلامية وطنية قادرة على حمل هذا الصوت.

وهذه الوظيفة لا يمكن اختزالها في معادلة الربح والخسارة.

المشكلة ليست دائماً في الموظف

هناك خطاب يتكرر في كل مرة نتحدث فيها عن تحديث المؤسسات الحكومية:

“الموظفون هم المشكلة”.

وهذه أسهل إجابة… وربما أخطرها.

لأن التلفزيون الأردني لا يفتقر إلى الكفاءات.

فيه مذيعون، ومراسلون، ومخرجون، ومصورون، ومهندسو صوت، وفنيون، وصحفيون، وموظفون راكموا خبرة تمتد لسنوات طويلة.

هذه الخبرات ليست عبئاً يجب التخلص منه؛ هذه ثروة وطنية يجب استثمارها.

المشكلة الحقيقية في أي مؤسسة إعلامية ليست في عمر الموظف أو اسمه أو سنوات خدمته.

المشكلة في الإدارة التي لا تعرف كيف تستثمر الخبرة.

وفي الإدارة التي لا تمنح المبدع مساحة.

وفي الإدارة التي لا تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

وفي الإدارة التي تتعامل مع التطوير باعتباره تغييراً للأشخاص، بدلاً من أن يكون تغييراً للعقلية.

التلفزيون الأردني يحتاج إلى ثورة… نعم

لكنها ثورة تطوير، لا ثورة إلغاء.

نحتاج إلى تلفزيون أسرع.

أكثر جرأة.

أكثر حضوراً على المنصات الرقمية.

أكثر قدرة على المنافسة.

أكثر قرباً من الشباب.

وأكثر احترافاً في الإنتاج الرياضي والإخباري والبرامجي.

نحتاج إلى إدارة تحاسب وتكافئ.

نحتاج إلى قياس حقيقي للأداء.

نحتاج إلى استثمار أكبر في التكنولوجيا.

نحتاج إلى تسويق ذكي.

نحتاج إلى إنتاج يليق باسم الأردن.

لكننا لا نحتاج إلى إقناع الأردنيين بأن تلفزيونهم الوطني لم يفعل شيئاً.

ومن حق الأردني أن يسأل

إذا كان المنتج الخاص أفضل في بعض الأحيان، فليكن السؤال:

لماذا لا نأخذ أفضل ما لدى القطاع الخاص ونضعه داخل مؤسسة وطنية قوية؟

لماذا لا تكون الشراكة مع القطاع الخاص أداة تطوير بدلاً من أن تكون مقدمة لإلغاء الدور؟

لماذا لا نستثمر في العاملين الموجودين؟

ولماذا لا نمنح التلفزيون الأردني مساحة أكبر للمنافسة بدلاً من قتله بالمقارنة؟

هذه ليست أسئلة دفاعاً عن موظف أو مدير.

هذه أسئلة دفاعاً عن فكرة الإعلام الوطني.

أخيراً…

من حقنا أن ننتقد التلفزيون الأردني.

ومن حقنا أن نطالبه بالمزيد.

ومن حقنا أن نقول إن بعض برامجه لم تعد تواكب العصر.

ومن حقنا أن نطالب بإدارة أكثر كفاءة ومنتج أكثر احترافاً.

لكن من غير العادل أن نضع مؤسسة تحمل شعار الدولة واسم الأردن في قفص الاتهام، ثم نغلق الباب ونعلن الحكم قبل أن نرى ما يحدث خلف الكاميرا.

التلفزيون الأردني لا يحتاج إلى من يصفق له، كما أنه لا يحتاج إلى من يهدمه.

يحتاج إلى من يواجه أخطاءه بشجاعة، ويعترف بإنجازاته بإنصاف، ويضع له مشروعاً حقيقياً للمستقبل.

لأن السؤال في النهاية ليس:

هل التلفزيون الأردني جيد أم سيئ؟

السؤال الأخطر هو:

هل نريد تطوير تلفزيون الأردن… أم نريد التخلص من فكرة تلفزيون الأردن؟

والفرق بين السؤالين…

ليس إعلامياً فقط، بل قرار دولة.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى