الحواتمة يكتب: حين تفقد الأشياء أسماءها
التاج الإخباري -
بقلم: عضو مجلس الأعيان الباشا حسين الحواتمة.قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن التراجع الفكري والثقافي من خلال أسماء الأشياء، لكن طريقة تسمية الأشياء تكشف أحيانًا أكثر مما نظن عن طريقة تفكيرنا.
ما زال كثيرون يسمون أكياس الشاي «ليبتون»، ومسحوق الغسيل «سيرف»، والكراسي البلاستيكية «سامبا»، وهي في الأصل علامات تجارية وليست أسماء للمنتجات. ونختصر عشرات الأنواع من الطاولات بكلمة واحدة: «طاولة»، رغم اختلاف حجمها وشكلها ووظيفتها.
المشكلة ليست أن الناس لا يعرفون الاسم، وإنما أن الحاجة إلى التمييز بين الأشياء لم تعد جزءًا أساسيًا من ثقافتنا اليومية.
في المجتمعات التي سبقتنا صناعيًا، نشأت التسميات مع نشوء الصناعة والتصميم والتخصص؛ فكلما تعددت المنتجات والوظائف، احتاج الناس إلى أسماء أكثر دقة. وليس صحيحًا أن هذه الظاهرة غائبة عندهم؛ فالعلامات التجارية قد تتحول لديهم أيضًا إلى أسماء شائعة، لكنهم يمتلكون في الوقت نفسه لغة مهنية دقيقة تميز بين الأنواع والاستخدامات والمواصفات.
أما نحن، فكثيرًا ما نستورد المنتج قبل أن نستورد المعرفة المتعلقة به، فنستهلكه دون أن نمتلك بالضرورة قاموسه.
والأمر لا يتوقف عند الأشياء. حتى في وصف الأشخاص تختلط عندنا الدرجة العلمية بالمهنة والوظيفة واللقب؛ فالدكتوراه درجة علمية، والطبيب مهنة، والأستاذ الجامعي صفة أكاديمية، والمهندس اختصاص ومهنة، وقد تجتمع أكثر من صفة في الشخص نفسه، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
حين نعجز عن رؤية الفروق، نختصرها في اسم واحد. وحين نختصر الفروق طويلًا، يصبح الاختزال طريقة في التفكير.
لذلك فإن القضية ليست «طاولة» ولا «ليبتون» ولا «سيرف». إنها سؤال أكبر عن ثقافتنا: هل ما زلنا نملك الرغبة في أن نعرف الأشياء كما هي، وأن نسميها كما ينبغي؟
فالحضارة ليست فقط أن نستهلك الأشياء الحديثة، بل أن نفهمها، ونصنفها، ونميز بينها، ونمتلك الكلمات التي تصفها بدقة.
وربما يكون أول طريق لاستعادة دقة التفكير أن نستعيد دقة التسمية.
الرجاء الانتظار ...