طب الأسنان في الأردن .. سوق مشبع وعيادات تبحث عن مشترين!
التاج الإخباري -
لم تعد العيادة الخاصة في الأردن تمثل ذلك الحلم الذي طالما ارتبط بالاستقرار المهني والمالي لأطباء الأسنان، بعد عقود من اعتبارها المسار الطبيعي لبناء مستقبل مهني مستقر.وبحسب أطباء أسنان، يواجه هذا القطاع ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أعداد الخريجين وتراجع القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع تكاليف التشغيل، ما جعل تأسيس عيادة جديدة أو الحفاظ على أخرى قائمة قراراً بحاجة للصبر والكثير من التروّي.
وأفرزت هذه التحولات واقعاً ضبابياً للطبيب الممارس وللخريج الجديد على حد سواء.
وفي وقت بات فيه بعض أصحاب العيادات يبحثون عن مشترين للتخلص من أعباء مالية أثقلت كاهلهم، يجد الأطباء حديثو التخرج أنفسهم أمام سوق مكتظ يتعين عليهم فيه الاختيار بين خوض تجربة التأسيس أو البحث عن بدائل مهنية خارج نطاق العيادة الخاصة.
تكاليف تلتهم الإيرادات
وتتضح ملامح هذا الواقع من تجربة د. أحمد عبدالله، الذي أمضى نحو عشرة أعوام في إدارة عيادته الخاصة في إحدى مناطق جنوب عمان عالية الكثافة السكانية.
وأكد أحمد أن عيادته التي بدأها باعتبارها فرصة مهنية ومصدراً جيداً للدخل، تحولت تدريجياً لعبء مالي في ظل ارتفاع كلفة التشغيل.
وأشار إلى أن الزيادة المتواصلة في إيجارات العقارات وفواتير الطاقة إلى جانب الارتفاع المضطرد في أسعار المستلزمات الطبية المستوردة، استنزفت جزءاً كبيراً من الإيرادات.
ولم تقتصر الضغوط على جانب المصروفات، حيث انعكس تراجع القدرة الشرائية للمرضى على حجم الإقبال مع اقتصار زيارات كثير منهم على الحالات الضرورية أو الطارئة.
وأكد أن شروط شركات التأمين زادت من صعوبة المشهد، ما دفعه لإعادة النظر في جدوى الاستمرار بعيادته، والبدء جدياً في البحث عن مشترٍ لها، تمهيداً للانتقال للعمل لدى مؤسسة براتب ثابت أو التفكير في الهجرة.
الخريجون أمام خيارين
أما طبيبة الأسنان حديثة التخرج والتي اكتفت بالتعريف عن نفسها باسم "سارة"، فأكدت أنها وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة، لكنها لا تخلو من القلق.
وقالت إنها رغم امتلاكها شغفاً بالمهنة ورأس مال يكفي للبدء بمشروع صغير، اصطدمت بعد التخرج بانتشار أعداد كبيرة من العيادات في المناطق نفسها، فضلاً عن حالة التردد التي يعيشها كثير من زملائها بشأن خوض تجربة التأسيس.
وقالت إن السؤال الذي يلاحقها يتمثل بمدى قدرة الاستثمار في تجهيزات وأجهزة حديثة على منحها فرصة حقيقية لبناء اسم في السوق، أم أن إنشاء عيادة جديدة في ظل حالة التشبع الحالية ليس سوى مخاطرة مالية يصعب تبريرها.
بين الاندماج والتخصص
يكشف التباين بين تجربة الطبيبين، عن انقسام في الرؤية داخل القطاع بشأن مستقبل العيادة الفردية في الأردن.
وهناك من يرى أن النموذج التقليدي للعيادة المستقلة يواجه مرحلة صعبة وأن تجاوزها يتطلب تغييراً في طبيعة ممارسة المهنة، عبر اندماج الأطباء وتأسيس مراكز طبية مشتركة تتقاسم تكاليف الإيجار والتجهيزات والمصاريف التشغيلية.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن فرص النجاح لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بقدرة الطبيب على تقديم نموذج مختلف عن السائد.
ويشمل ذلك التوجه نحو التخصصات الدقيقة والاستفادة من أدوات التسويق الرقمي وبناء حضور مهني واضح، وتوفير تجربة علاجية متكاملة تعزز ثقة المريض وتشجعه على الاستمرار.
ومن جانب آخر، يرى فريق من أطباء الأسنان أن مسألة السعي والرزق مرتهنة بتقدير الخالق عز وجل، لا بحسابات السوق والمعادلات المادية المجرّدة فقط.
ودعا أصحاب هذا الطرح على مواقع التواصل الاجتماعي، أطباء الأسنان الجدد لعدم التهيب من واقع التشبع المشاع أو الخوف من ضغوط المنافسة، ما دام الهدف هو تقديم خدمة طبية إنسانية بصادق النية والتقوى، فالأرض واسعة والخير فيها وفير لمن يتقن عمله ويصبر على بداياته.
ورفض هذا الفريق الفكرة الداعية إلى إلغاء العيادات الفردية والاندماج القسري داخل مراكز طبية ضخمة، معتبرين أن العيادة المستقلة تمنح الطبيب استقلالية تامة وقدرة أكبر على بناء علاقة إنسانية مباشرة وشخصية مع المريض بعيداً عن الصبغة التجارية للشركات والمراكز.
ورأوا أن التوسع الكبير في المراكز يعقد المصاريف التشغيلية ويحمل الطبيب أعباء إدارية ومالية ضخمة قد تشتت تركيزه، بينما تظل العيادة الخاصة البسيطة نموذجاً مباركاً يتيح للطبيب الانطلاق بثبات وتقديم رعاية مخلصة تعتمد على بركة السعي وحسن التوكل.
تحذير نقابي
بدورها، قالت نقيبة أطباء الأسنان د. آية الأسمر إن سوق طب الأسنان في الأردن يشهد حالة من التشبع، في ظل ارتفاع أعداد العيادات والمراكز العاملة في القطاع، الأمر الذي انعكس على قدرة بعض الأطباء على الاستمرار وتحقيق مردود اقتصادي مناسب.
وأوضحت، أن واقع العيادات يختلف من حالة إلى أخرى، حيث تحقق بعض العيادات أداءً جيداً فيما تواجه أخرى صعوبات في استقطاب المرضى والحفاظ على قدرتها التشغيلية، مشيرة لوجود عيادات بات أصحابها يفكرون في بيعها بعدما لم تعد مجدية اقتصادياً.
وأضافت أن بعض أطباء الأسنان يصلون في مرحلة معينة إلى وضع يضطرون فيه إلى تغطية إيجار العيادة من دخلهم الشخصي، في ظل ارتفاع التكاليف وضعف الجدوى الاقتصادية لبعض العيادات.
وشددت على أهمية أن يبدأ طبيب الأسنان مسيرته المهنية بعيادة صغيرة إلى أن يتمكن تدريجياً من بناء اسمه وتكوين قاعدة من المرضى والمراجعين، قبل التفكير في التوسع وإنشاء مركز طبي أكبر.
وحذرت من أن افتتاح مركز كبير منذ البداية من دون معرفة مدى قدرة المنطقة المستهدفة على استقطاب المرضى، يمثل مجازفة اقتصادية كبيرة في ظل الظروف الحالية التي يمر بها القطاع.
وبحسب الأرقام المتاحة، يبلغ عدد عيادات طب الأسنان في الأردن 3,687 عيادة إلى جانب 351 مركزاً طبياً متخصصاً، ما يعكس حجم المنافسة والتوسع الذي يشهده قطاع طب الأسنان.
ويبلغ عدد المسجلين في نقابة أطباء الأسنان 13,354 طبيباً، من بينهم 379 طبيباً توفوا و531 طبيباً متقاعداً عن العمل، إضافة إلى 1,500 طبيب يعملون خارج المملكة.
وأوضحت الأسمر أن عدد أطباء الأسنان العاملين داخل الأردن يبلغ نحو 10,944 طبيباً، أي ما يقارب 11 ألف طبيب في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 11 مليون نسمة.
الغد
الرجاء الانتظار ...