البطاطا سلعة استراتيجية ،،،لماذا كان دخول الضمان في زراعتها ضرورة لا منافسة
التاج الإخباري -
بقلم : المهندس حازم الصماديكثر الحديث في الآونة الأخيرة حول زراعة البطاطا من قبل صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، وتعالت الأصوات المطالبة بحماية المزارعين. وهي دعوة محقة ومهمة، لكن حماية المزارع لا ينبغي أن تكون على حساب حماية المستهلك، كما أن حماية المستهلك لا تعني إلحاق الضرر بالمزارع.
ولذلك، لا بد من وضع بعض الحقائق والأرقام أمام الرأي العام، بعيداً عن التجاذبات، حتى يكون النقاش مبنياً على المصلحة الوطنية.
أولاً: البطاطا ليست محصولاً ثانوياً
كانت المملكة، قبل عام 2017، تستورد ما يقارب 60 ألف طن سنوياً من بطاطا المائدة، إضافة إلى نحو 30–40 ألف طن سنوياً من البطاطا المجمدة والمحضرة للقلي (French Fries).
وتقدر احتياجات المملكة من البطاطا بحوالي 10 آلاف طن شهرياً، أي ما يقارب 120 ألف طن سنوياً. وبالتالي فإن البطاطا سلعة غذائية رئيسية تمس حياة المواطن بشكل مباشر، وأي ارتفاع كبير في أسعارها ينعكس على ميزانية الأسرة الأردنية.
ثانياً: ماذا حدث بعد وقف استيراد بطاطا المائدة؟
بعد توقف استيراد البطاطا في عام 2017، شهدت الأسواق المحلية خلال الأعوام 2017–2019 ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، حيث وصل سعر الكيلوغرام للمستهلك في بعض الفترات إلى ما بين 0.75 و 1 دينار.
وبحسب تقديرات الاستهلاك والأسعار، فإن الأردنيين دفعوا خلال تلك الفترة ما يقارب 100 مليون دينار ثمناً للبطاطا، في حين كان من الممكن – في ظل أسعار أكثر توازناً – ألا يتجاوز الإنفاق عن 50 مليون دينار.
أي أن ارتفاع الأسعار حمّل المستهلك الأردني أعباء إضافية كبيرة، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون السياسات الزراعية والتجارية متوازنة بين مصلحة المنتج ومصلحة المستهلك.
ثالثاً: ارتفاع الأسعار غيّر سلوك المستهلك
عندما ارتفعت أسعار البطاطا الطازجة، بدأ المستهلك يتجه بصورة أكبر إلى البطاطا المجمدة والمحضرة للقلي.
ونتيجة لذلك ارتفعت مستوردات الـFrench Fries بشكل كبير، لتتجاوز في بعض السنوات 100 ألف طن، وتصل إلى نحو 130 ألف طن سنوياً، مقارنة بنحو 30–40 ألف طن في السنوات السابقة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام هذه المعلومة: عندما ترتفع أسعار المنتج المحلي بصورة مبالغ فيها، فإن المستهلك لا يتوقف عن الاستهلاك، بل يبحث عن البديل.
وبالتالي فإن حماية المنتج المحلي لا تتحقق فقط بمنع المنافسة الخارجية، وإنما بتحقيق إنتاج محلي مستقر وبأسعار عادلة وقادر على تلبية احتياجات السوق.
رابعاً: مشكلة الأشهر من تموز إلى تشرين الأول
خلال الأعوام 2020–2023 ارتفعت المساحات المزروعة بالبطاطا وزادت كميات الإنتاج، إلا أن السوق بقي يعاني سنوياً من فجوة خلال الفترة الممتدة من شهر تموز وحتى شهر تشرين الأول.
وخلال هذه الأشهر الأربعة لا يتوفر إنتاج محلي كافٍ، فيتم الاعتماد على البطاطا المخزنة في البرادات لتغطية احتياجات السوق.
وهذا التخزين الطويل يؤثر بطبيعة الحال على جودة البطاطا، كما قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة السكريات فيها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التخزين، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المواطن.
وفي تلك الفترة كان سعر البطاطا في أسواق الجملة يقارب 0.50 دينار للكيلوغرام، ليصل إلى المستهلك بحوالي 0.70 دينار.
وبناءً على حجم الاستهلاك، كان المواطنون ينفقون ما يقارب 30 مليون دينار على البطاطا خلال الأشهر الأربعة من كل عام، في حين كان من المفترض – وفق تقديرات الأسعار الأكثر عدالة – ألا يتجاوز الإنفاق نحو 15 مليون دينار.
ومع تكرار هذه الفجوة على مدى أربعة أعوام، يتضح حجم العبء الذي يمكن أن يتحمله المستهلك الأردني نتيجة عدم انتظام الإنتاج وتذبذب الأسعار.
خامساً: ماذا حدث بعد دخول صندوق الاستثمار في مؤسسة الضمان الاجتماعي؟
بعد عام 2024، ومع دخول صندوق الاستثمار في مؤسسة الضمان الاجتماعي في زراعة البطاطا، ارتفعت الكميات المنتجة محلياً، وساهم ذلك في زيادة المعروض وانخفاض الأسعار.
كما ساهم توفر كميات أكبر من البطاطا المحلية في تشجيع الاستثمار في مصانع البطاطا المصنعة والـFrench Fries، وهو أمر إيجابي من ناحية دعم الصناعة الوطنية وخلق قيمة مضافة للمنتج الزراعي المحلي.
ومن هنا فإن القضية لا يجب أن تختزل في سؤال: هل نريد صندوق الضمان أن يزرع البطاطا أم لا؟
بل السؤال الأهم هو:
كيف نضمن إنتاجاً محلياً مستداماً من البطاطا، وبأسعار عادلة للمزارع والمصنع والمستهلك في الوقت نفسه؟
سادساً: المطلوب حماية الجميع وليس طرفاً واحداً
المزارع الأردني يستحق الحماية والدعم، لأنه يتحمل تكاليف الأرض والمياه والأسمدة والعمالة والطاقة والمخاطر الزراعية.
لكن المواطن الأردني أيضاً يستحق الحصول على الغذاء بأسعار عادلة، والصناعة الوطنية تحتاج إلى مادة خام محلية مستقرة حتى تستطيع الاستمرار والمنافسة.
لذلك، فإن المطلوب ليس القضاء على أي طرف، وإنما وضع سياسة تحقق التوازن بين المزارع والمستهلك والمصنع.
ومن وجهة نظري، فإن استمرار صندوق الاستثمار في زراعة البطاطا التصنيعية، ضمن أسس اقتصادية واضحة وعقود توريد عادلة مع مصانع الـFrench Fries، يمكن أن يكون له دور مهم في ضمان استقرار هذه الصناعة وتوفير احتياجاتها من المواد الخام، خصوصاً بعد الاستثمارات التي تمت في هذا القطاع.
أما بالنسبة إلى بطاطا المائدة، فإن الحل الأمثل لا يكمن في احتكار الإنتاج أو منع المنافسة، وإنما في إيجاد منظومة متوازنة تضمن للمزارع سعراً مجزياً، وللمستهلك سعراً عادلاً، وتمنع في الوقت نفسه حدوث نقص حاد في الأسواق.
وفي النهاية، حماية المزارع لا تعني ترك المواطن يدفع سعراً مبالغاً فيه، وحماية المستهلك لا تعني إغراق السوق بما يضر بالمزارع.
المعادلة الصحيحة هي:
مزارع رابح + صناعة وطنية قوية + مستهلك يحصل على البطاطا بسعر عادل = قطاع بطاطا أردني مستدام.
وإذا كنا نريد فعلاً تحقيق الأمن الغذائي، فعلينا أن ننظر إلى البطاطا باعتبارها سلعة غذائية أساسية ومحصولاً استراتيجياً، وأن تكون قراراتنا مبنية على الأرقام ودراسة السوق ومصلحة الاقتصاد الوطني، بعيداً عن المواقف المسبقة أو الحملات الإعلامية ضد أي جهة.
فالمطلوب في النهاية ليس أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن تنتصر مصلحة الأردن
الرجاء الانتظار ...