الكاتب حسين الرواشدة .. حين يكون القلم وطناً
التاج الإخباري -
بقلم الدكتور : عدنان متروك شديفات.ليس كلُّ قلمٍ يخطُّ على الورق يترك أثراً ، ولا كلُّ كلمةٍ تُقال تستحق أن تُسمّى موقفاً؛ فبين حبرٍ يسيل، وحبرٍ يَسأل، وبين صوتٍ يعلو، وصوتٍ يَعي، تُقاس قيمة الكاتب بما يحمله من همّ، لا بما يحصده من تصفيق ومن هذا المعنى يبرز حسين الرواشدة كاتباً وصحفياً أردنياً جعل من الكلمة مسؤولية، ومن الكتابة موقفاً، ومن الوطن قضيةً لا مجال فيها للمساومة.
لم يكن الأردن عند الرواشدة عنواناً يُستدعى في المناسبات، ولا شعاراً يُرفع حين تهبُّ الريح، بل كان حاضراً في صلب السؤال وهمِّ الإنسان، كتب عن الدولة والهوية والمجتمع، ودافع عن ثوابت الوطن، لكنه لم يجعل الدفاع مرادفاً للتطبيل، ولا الولاء قريناً للصمت وهذه في ميزان الكتابة، منزلةٌ لا يبلغها إلا قلمٌ يعرف أن محبة الوطن ليست أن نستر عيوبه، بل أن نواجهها؛ وليست أن نمدح كلَّ شيء، بل أن نحفظ الجميل ونصحح الخلل.
وفي قلمه يلتقي الصدق والجرأة، والغيرة والحكمة، والنقد والبناء؛ فلا هو قلمٌ يجلد الوطن باسم النقد، ولا هو قلمٌ يجمّل الواقع باسم الوطنية، إنما يمسك العصا من وسطها، فيرى مواضع الخلل بعين الناقد، ويرى مواضع القوة بعين المحب، وفي ذلك جوهر الوطنية الرشيدة بأن تختلف دون أن تختلف على الوطن، وأن تنتقد دون أن تهدم، وأن تقول "لا" للخطأ دون أن تقول "لا" للأردن.
وللكلمة عنده أكثر من وجه؛ فهي قد تكون سيفاً حين يُطلب الدفاع، وميزاناً حين يشتد الخصام، وجسراً حين تتسع الفجوة، وتلك تورية الوطن في أبهى صورها فالدفاع عنه ليس دائماً في رفع الصوت، بل قد يكون في خفضه حين يصبح الصراخ فتنة؛ وليس دائماً في الموافقة، بل في رفض الخطأ قبل أن يتحول الخطأ إلى عادة.
إن قيمة الكاتب الوطني الرواشدة لا تكمن في أن نتفق معه في كل ما كتب، فالكاتب الذي لا يُختلف معه لا يثير سؤالاً، والقلم الذي لا يحرّك ساكناً قد يكون مجرد حبر، إنما قيمته في أنه أبقى الوطن حاضراً في المقال، حاضراً لا بوصفه صورةً معلقة، بل مسؤوليةً تُحمل، وهويةً تُصان، ومستقبلًا يُبنى.
وهكذا يظل الأستاذ حسين الرواشدة واحداً من الأقلام التي آثرت أن تكون مع الوطن لا مع التصفيق، وللوطن لا للمصلحة، وفي الوطن لا على حسابه، قلمٌ يغار ولا يزايد، وينقد ولا يهدم، ويدافع ولا يتزلف؛ لأن الوطن عنده أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأطول عمراً من المراحل.
وحين تصدق الكلمة، يصبح القلم أكثر من أداة كتابة؛ يصبح حارساً للوعي، وسنداً للهوية، وصوتاً جريئاً لوطنٍ يستحق أن يُحب بصدق، وأن يُنقد بصدق، وأن يُصان بصدق.
الرجاء الانتظار ...