هل تعيد اتفاقية مكة للدفاع المشترك رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط؟

التاج الإخباري -

همام الفريحات ْ

وقّعت السعودية وباكستان وتركيا، امس الجمعة في مكة المكرمة، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي تهدف إلى تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، ورفع مستوى التنسيق والجاهزية العسكرية، وتطوير الشراكة الاستراتيجية والدفاعية بين الدول الثلاث.

وفي الحديث أكثر عن هذه الاتفاقية، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان، إن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد اتفاق تعاون عسكري، بل يمثل محاولة لبناء توازن إقليمي جديد يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها وأمنها، مشيرًا إلى أن أهمية اتفاقيات الدفاع المشترك لا تقاس بما تتضمنه من بنود فقط، وإنما بما تحدثه من تغيير في ميزان الردع وحسابات القوى الإقليمية.

وأكد الروسان في حديث له مع "التاج الإخباري"، أن الاتفاق يأتي في لحظة إقليمية حساسة، ويمكن أن يمثل انتقالًا من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة التوازن وبناء قوة ردع جماعية، بما يمنع استفراد أي طرف برسم معادلات الأمن في الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن التطورات المقبلة ستحدد ما إذا كان الاتفاق سيبقى في إطار التعاون العسكري أم سيتحول إلى منظومة دفاعية أكثر تكاملًا.

ووصف الاتفاق بأنه "لحظة صدق ومواجهة ناعمة" مع الولايات المتحدة، معتبرًا أنه يمثل أيضًا تحديًا لمشروع "إسرائيل الكبرى"، في ظل امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، على مدى سنوات، مساحات واسعة للتأثير في مسار الأحداث الإقليمية، كل وفق مشروعه ومصالحه، بينما بقيت دول المنطقة في كثير من الأحيان تتعامل مع نتائج تلك السياسات.

وأوضح أن "اتفاقية مكة" تأتي ضمن إطار مبدأ الدفاع والردع الجماعي لحماية الأمن والسيادة، وتهدف إلى رفع مستوى التنسيق والجاهزية العسكرية، وتطوير الشراكة الاستراتيجية والدفاعية، وتعزيز الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

تكامل القدرات.. مفتاح القوة

وأشار إلى أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في القدرات التي تمتلكها كل دولة منفردة، وإنما في إمكانية تكامل الموارد المالية السعودية، والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية التركية، والقدرات العسكرية والاستراتيجية الباكستانية.

وقال الروسان لـ"التاج"، إن هذا المزيج، إذا تحول إلى منظومة دفاعية منسقة، يمكن أن يشكل قوة ردع إقليمية ذات تأثير كبير، حتى وإن لم يصل إلى مستوى حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وبيّن أن استمرار التعاون في مجالات التدريب، والاستخبارات، والتصنيع العسكري وتبادل الخبرات، سيمنح الاتفاق قابلية أكبر للاستمرار والتطور، فيما سيؤدي تحوله إلى حلف دفاع مشترك ملزم إلى جعله أحد أبرز مراكز القوة في العالم الإسلامي.

وأضاف أن مثل هذا التطور سينعكس بصورة مباشرة على توازنات الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وسيجبر القوى الإقليمية والدولية على إعادة حساباتها تجاه المنطقة.

هل نحن أمام تحالف عسكري جديد؟

وحول ما إذا كان الاتفاق يمثل ولادة تحالف عسكري إقليمي جديد، أجاب الروسان بأن المنطقة أمام بداية تحالف دفاعي جديد، لكن ليس بحجم أو طبيعة حلف الناتو حتى الآن.

وأوضح الروسان خلال حديثه لـ"التاج"، أن الشكل الأقرب للاتفاق في مرحلته الحالية هو "تحالف ردع وليس تحالفًا هجوميًا"، مشيرًا إلى أن نجاحه سيعتمد على تحويل البنود السياسية إلى إجراءات عملية، من بينها إيجاد آليات قيادة وتنسيق عسكري، وتنفيذ تدريبات مشتركة، وتطوير التكامل في الدفاع الجوي، وتعزيز التصنيع العسكري المشترك.

ولفت إلى أن تحقيق هذه الخطوات يمكن أن يجعل الاتفاق أول إطار دفاعي إقليمي بهذا المستوى منذ عقود، وأن يحوله من مجرد تفاهم سياسي إلى منظومة عسكرية ذات تأثير فعلي.

هل يشكل الاتفاق بديلًا عن المظلة الأمريكية؟

وفيما يتعلق بإمكانية نشوء توازن عسكري جديد خارج المظلة الأمريكية، قال الروسان إن ذلك ممكن إلى حد كبير، لكنه لا يعني استقلالًا كاملًا عن واشنطن.

وأشار إلى أن السعودية وتركيا ما تزالان ترتبطان بعلاقات أمنية واسعة مع الولايات المتحدة، كما أن جزءًا كبيرًا من منظوماتهما العسكرية أمريكي الصنع، مؤكدًا أن الاتفاق لا يستبدل الدور الأمريكي، لكنه يمنح الدول الثلاث مساحة أكبر في القرار والردع ويقلل من الاعتماد الكامل على التدخل الأمريكي المباشر.

لماذا غضبت إيران؟

وعن أسباب الغضب الإيراني من الاتفاق رغم تأكيد الدول الثلاث أنه دفاعي، أوضح الروسان أن طهران تنظر إلى "التوقيت أكثر من النصوص"، وترى أن الاتفاق جاء في مرحلة تشهد توترات إقليمية، وأنه يرفع كلفة أي تحرك ضد السعودية أو تركيا أو باكستان، ويحد من مساحة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وأضاف أن مشاركة باكستان بما تمتلكه من ثقل عسكري وقدرات استراتيجية ونووية تضيف بُعدًا جديدًا إلى معادلة الردع، وتجعل الاتفاق مختلفًا عن ترتيبات التعاون العسكري التقليدية.

إسرائيل أمام معادلة جديدة

وحول كيفية تعامل إسرائيل مع هذا المحور، رجّح الروسان أن تراقب إسرائيل الاتفاق بحذر، وألا تعتبره تهديدًا مباشرًا طالما بقي في إطاره الدفاعي، لكنها ستتابع بصورة دقيقة أي تعاون عسكري أو استخباراتي أو صناعي يمكن أن يؤدي إلى تغيير في ميزان القوى، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأكد الروسان لـ"التاج"، أن إسرائيل لن تكون مرتاحة لظهور محور يضم السعودية وتركيا وباكستان، إلا أن الحديث عن تغيير جذري في الاستراتيجية الإسرائيلية يبقى مبكرًا، ما لم يتحول الاتفاق إلى تحالف عملياتي متكامل.

هل تنضم دول أخرى؟

وحول إمكانية انضمام دول أخرى إلى الاتفاق، قال الروسان إن الاحتمال وارد في حال أثبت الاتفاق نجاحه، مشيرًا إلى أن قطر قد تكون من الدول الأقرب للتعاون مع هذا المحور، بحكم علاقاتها الوثيقة مع تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب أذربيجان نظرًا لشراكاتها العسكرية مع تركيا وباكستان.

كما توقع توسع مجالات التعاون مع الإمارات، فيما رأى أن انضمام مصر في المدى القريب أقل ترجيحًا، بسبب حرصها على استقلال قرارها العسكري، رغم أن دخول القاهرة سيكون مهمًا لما تمتلكه من ثقل بشري وسياسي وعسكري.

الأردن.. تعاون قبل التحالف

وبالنسبة للأردن، اعتبر الروسان أنه من الدول المرشحة للتعاون مع هذا المحور، بحكم موقعه الجغرافي وأهميته الأمنية وعلاقاته الوثيقة مع السعودية وتركيا وباكستان.

وأوضح أن دخول الأردن في تحالف دفاعي شامل سيبقى مرتبطًا بحساباته السياسية وحرصه على الحفاظ على توازنه الاستراتيجي، مرجحًا أن تبدأ مشاركته، في حال توسع التعاون، من خلال التنسيق الاستخباراتي والتدريب والدفاع الحدودي، قبل الانتقال إلى أي ترتيبات دفاعية أوسع.

رسالة ردع تتجاوز حدود الاتفاق

وختم الروسان بالقول إن ما جرى ليس مجرد توقيع اتفاقية، بل رسالة ردع استراتيجية مفادها أن أمن السعودية وتركيا وباكستان أصبح أكثر ترابطًا، وأن المنطقة قد لا تكون أمام "ناتو إسلامي" بالمعنى التقليدي، لكنها أمام بداية محور دفاعي إقليمي جديد.

وشدد على أن هذا المحور، في حال نجحت الدول الثلاث في تحويل الاتفاق من نص سياسي إلى قوة عسكرية فاعلة، يمكن أن يعيد رسم جزء من توازنات الشرق الأوسط، ويحد من قدرة أي قوة إقليمية أو دولية على الاستفراد برسم معادلات الأمن في المنطقة.

وأضاف أن الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في مراسم التوقيع، وإنما في القدرة على بناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على العمل المشترك وتحقيق الردع على أرض الواقع.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى