"إفشاء الأسرار الرسمية" .. متى يتحول الموظف إلى متهم أمام القضاء؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.خبير قانوني يوضح لـ "التاج": أين يقف القانون بين حق تداول المعلومات وسرية الوثائق؟
عاد ملف "إفشاء الأسرار الرسمية" إلى واجهة الاهتمام في الأردن، في ظل وجود نحو 15 قضية منظورة أمام القضاء تتعلق بتسريب معلومات ووثائق رسمية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة طرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الحق في تداول المعلومات والالتزام القانوني بالحفاظ على سرية الوثائق والبيانات التي يطلع عليها الموظف العام بحكم وظيفته ؟
ويؤكد مختصون في القانون أن إفشاء الأسرار الرسمية لا يعد مجرد "مخالفة إدارية"، وإنما "جريمة" يعاقب عليها القانون، لما قد يترتب عليها من مساس بالمصلحة العامة أو الإضرار بمؤسسات الدولة، حتى وإن لم يثبت وقوع ضرر فعلي نتيجة عملية الإفشاء.
وفي هذا السياق، قال أستاذ القانون الدستوري د. ليث نصراوين إن جريمة إفشاء الأسرار تعد من الجرائم التي تستهدف حماية الثقة في الوظيفة العامة، إذ تقوم على أساس أن الموظف يطلع بحكم وظيفته على معلومات ووثائق لا تكون متاحة للكافة، ومن ثم يلتزم بالمحافظة على سريتها وعدم كشفها للغير.
وأوضح أن المشرع الأردني أولى هذه الحماية أهمية خاصة، فنص في المادة (355) من قانون العقوبات على معاقبة كل من يفشي سرًا اطلع عليه بحكم وظيفته أو مركزه الرسمي أو مهنته، أو يحتفظ دون حق بوثائق أو رسومات أو مخططات سرية، أو يفشي سرًا مهنيًا دون سبب مشروع، بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات.
وأشار نصراوين خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" إلى أن قيام هذه الجريمة لا يتطلب إثبات وقوع ضرر فعلي، إذ يكفي أن يقوم الموظف أو صاحب المهنة بكشف معلومات سرية إلى شخص "غير مخول" بالاطلاع عليها، لأن المشرع يستهدف حماية الثقة بالمؤسسات العامة والوقاية من الإضرار بالمصلحة العامة قبل وقوعه.
وأضاف أن الالتزام بالمحافظة على "السر الوظيفي" لا ينتهي بالضرورة بانتهاء خدمة الموظف، بل قد يستمر طالما بقيت المعلومات محتفظة بطابعها السري، وهو ما يعكس الطبيعة الخاصة لهذا الالتزام القانوني.
ومع التطور التقني والتحول الرقمي، لم يعد مفهوم إفشاء الأسرار يقتصر على تسريب الوثائق الورقية، بل امتد ليشمل تصوير الوثائق أو نسخها أو إرسالها عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات التراسل أو أي وسيلة إلكترونية أخرى، الأمر الذي وسع من نطاق المسؤولية القانونية في هذا المجال.
ولمواكبة هذا التطور، عزز المشرع الأردني الحماية القانونية لسرية المعلومات من خلال المادة (6) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، التي جرمت استخدام الشبكة المعلوماتية أو نظام المعلومات لإفشاء البيانات أو المعلومات أو تمكين الآخرين من الاطلاع عليها دون تصريح، أو بما يجاوز حدود التصريح الممنوح، بما يوفر حماية جزائية للمعلومات في البيئة الرقمية.
وشدد نصراوين على أن هذه الحماية القانونية لا تتعارض مع مبدأ الشفافية أو حق الحصول على المعلومات، إذ إن التجريم ينحصر في المعلومات التي يفرض القانون أو تقتضي طبيعتها الحفاظ على سريتها، بما يحقق التوازن بين حق المجتمع في المعرفة، وحماية المصلحة العامة، وصون حقوق الأفراد.
يشار إلى ان عدد القضايا المنظورة أمام القضاء في هذا الملف يؤكد أن الدولة تتعامل مع تسريب المعلومات الرسمية باعتباره مسألة تمس هيبة المؤسسات وسلامة العمل العام، وأن أي إخلال بواجب المحافظة على السر الوظيفي قد يضع مرتكبه تحت طائلة المساءلة الجزائية، سواء تم الإفشاء بالوسائل التقليدية أو عبر المنصات الرقمية.
الرجاء الانتظار ...