قاضٍ واحد لكل أسرة .. مقترح لتطوير إجراءات القضاء الشرعي
التاج الإخباري -
اقترح أستاذ الفقه الإسلامي والقاضي الشرعي، الدكتور محمود أبو رمان، تطبيق نظام "قاضي الأسرة الواحدة" أو "الملف الأسري الموحد" في المحاكم الشرعية. ويأتي هذا المقترح كأحد الحلول الإجرائية التي يمكن أن تسهم في تطوير القضاء الشرعي وتعزيز حماية الأسرة، من خلال النظر في جميع الدعاوى المتعلقة بالأسرة الواحدة أمام الهيئة القضائية ذاتها متى أمكن ذلك، بما يحقق العدالة ويعزز الاستقرار الأسري.وجاء مقترح الدكتور أبو رمان في ظل الرؤية الملكية السامية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الهادفة إلى تحديث القطاع العام، تعزيز سيادة القانون، الارتقاء بالخدمات الحكومية، والتحول الرقمي؛ حيث أصبح تطوير الإجراءات القضائية ضرورة وطنية تواكب تطور المجتمع، وتحقق العدالة الناجزة، وتيسر وصول المواطنين إلى حقوقهم بأعلى درجات الكفاءة والسرعة.
معالجة تشتت القضايا وإنهاء إطالة أمد التقاضي
وبين القاضي الشرعي في مقترحه أن الواقع العملي يكشف أن الأسرة الواحدة قد تكون طرفاً في عدد من الدعاوى المتزامنة؛ مثل دعاوى النفقة، الحضانة، المشاهدة، الاستضافة، الولاية، الطاعة، التفريق، والإذن بالسفر وغيرها. وأشار إلى أن هذه القضايا قد تتوزع بين أكثر من قاضٍ، مما يؤدي إلى تكرار الإجراءات، إعادة سرد الوقائع ذاتها، إطالة أمد التقاضي، وزيادة التوتر والاحتقان بين أفراد الأسرة، فضلاً عن استنزاف وقت وجهد المتقاضين والقضاة على حد سواء.
وأضاف أن جمع هذه القضايا أمام قاضٍ واحد يمنح المحكمة رؤية متكاملة للحالة الأسرية، ويُمكّن القاضي من فهم أسباب النزاع بجميع أبعاده، وإصدار أحكام أكثر انسجاماً واتزاناً، كما يعزز فرص الإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري، ويحول دون تضارب الاجتهادات أو صدور قرارات قد تتأثر بعدم اكتمال الصورة أمام كل هيئة قضائية بشكل منفصل.
كفاءة إدارة القضايا وجودة العدالة
وأوضح أبو رمان أن من أبرز ما يبرهن على أهمية هذا المقترح، هو أن ينظر القاضي في يوم عمل واحد في 40 قضية تخص 10 أسر، وهو أمر خير وأجدى من أن ينظر في 40 قضية تخص 40 أسرة مختلفة. ففي الحالة الأولى، يكون القاضي قد كوّن معرفة متكاملة بواقع كل أسرة، فيختصر وقت سماع الوقائع المتكررة، ويصبح أكثر قدرة على الربط بين القضايا وإصدار أحكام متناسقة، إلى جانب تعزيز فرص الإصلاح والوصول إلى حلول تنهي النزاع من جذوره.
أما في الحالة الثانية (إذا كانت القضايا تخص 40 أسرة مختلفة)، فإن القاضي يبدأ مع كل قضية من نقطة الصفر، ويستمع إلى 40 رواية مستقلة، ويحيط بـ 40 واقعاً اجتماعياً مختلفاً، وهو ما يستهلك وقتاً وجهداً أكبر، ويقلل من فرص المعالجة الشاملة. ومن هنا، أكد أن كفاءة القضاء لا تُقاس بعدد القضايا المنظورة فحسب، وإنما بجودة إدارتها، وحسن استثمار الوقت، ومدى انعكاس ذلك على تحقيق العدالة واستقرار الأسرة.
وأشار إلى أن أثر هذا المقترح لا يقتصر على حماية الأسرة، بل ينعكس إيجاباً على كفاءة العمل القضائي من خلال تقليل عدد الجلسات، تخفيف الضغط على الهيئات القضائية، الحد من تكرار الإجراءات، والمحافظة على خصوصية الأسرة وسرية معلوماتها، بما يحقق مصلحة المتقاضين ويعزز جودة العدالة.
الاستفادة من التحول الرقمي والمنظومة الإلكترونية
وأكد أن هذا المقترح يكتسب أهمية إضافية في ظل توجه الدولة نحو التحول الرقمي والتقاضي الإلكتروني؛ إذ إن البنية التقنية المعمول بها في المحاكم الشرعية قادرة على استيعاب هذا التطوير بسهولة، عبر إنشاء ملف أسري إلكتروني موحد ترتبط به جميع القضايا الخاصة بالأسرة الواحدة، بحيث يظهر للقاضي بمجرد تسجيل الدعوى تاريخ الأسرة القضائي والدعاوى المنظورة والمنتهية، بما يحقق التكامل في البيانات، يختصر الوقت، ويرفع كفاءة اتخاذ القرار.
وقال إن هذا التوجه ينسجم مع مشروع الحكومة الإلكترونية، تطوير الخدمات الرقمية، واستخدام التقنيات الحديثة في إدارة القضايا، كما يسهم في تحسين تجربة المتقاضين، تقليل المراجعات الورقية، وتسريع تبادل المعلومات بين الدوائر القضائية، ويشكل خطوة عملية نحو بناء منظومة قضائية ذكية تعتمد على البيانات والتكامل الإلكتروني، وهو ما يتوافق تماماً مع رؤية التحديث الإداري والقضائي التي تنتهجها الدولة.
آلية التطبيق والأثر المجتمعي
وأوضح الدكتور أبو رمان أن تطبيق هذا المقترح لا يحتاج إلى تعديلات تشريعية معقدة أو مخصصات مالية كبيرة، بل يمكن تنفيذه ببساطة من خلال تطوير آلية توزيع القضايا في النظام الإلكتروني القائم حالياً، وربط الدعاوى ذات الصلة بالأسرة الواحدة بملف إلكتروني موحد، مع المحافظة على العدالة في توزيع العمل بين القضاة.
وشدد على أن الأسرة هي أساس المجتمع، وكل تطوير يهدف إلى تقليل النزاعات، تسريع الفصل في القضايا، وتحقيق الإصلاح بين أفرادها، هو استثمار مباشر في الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني. ولذلك، فإن مشروع "قاضي الأسرة الواحدة" لا يمثل مجرد تنظيم إداري، بل هو رؤية قضائية متكاملة تجمع بين العدالة والرحمة، وتنسجم مع التحديث المؤسسي، التحول الرقمي، والرؤية الملكية في بناء قضاء أكثر كفاءة وسرعة وفاعلية.
ودعا في ختام مقترحه إلى أن يحظى هذا المشروع بالدراسة والتطبيق، لما يحققه من فوائد للمواطن، الأسرة، القضاء، والدولة، واصفاً إياه بأنه نموذج عملي للإصلاح المؤسسي، يعزز جودة الخدمات القضائية، يقرب العدالة من الناس، يرسخ الثقة بالمؤسسات، ويؤكد أن التطوير الحقيقي يبدأ من الإجراءات التي تمس حياة المواطنين وتيسر وصولهم إلى حقوقهم.
الرجاء الانتظار ...