الحموري يكتب: حين يُصان الجميل بالوفاء
التاج الإخباري -
بقلم محمد الحموري.من أكل من صحن، وجب عليه أن يحترم هذا الصحن قبل أن يحترم صاحبه، فالجميل لا يُقاس بحجمه بل بأثره في النفس التي تلقّته.
ومن تولّى منصبًا أو مكانة، فالأمانة تقتضي منه أن يتذكّر دائمًا اليد التي رفعته، والأرض التي احتضنت خطواته الأولى نحو ما وصل إليه، فالعلوّ دون امتنان زوالٌ مؤجَّل.
ومن يحمل جواز سفر بلدٍ ومنحته جنسيتها، فحريٌّ به أن يفخر بهذا الانتماء، وأن يصون رمزًا يمنحه هويةً وسط عالمٍ لا يرحم من لا هوية له.
ومن شرّدته الأيام فوجد في بلدٍ أخرى صدرًا رحبًا وأمانًا، فالوفاء يقتضي منه أن يكن لها من الولاء ما يكن لبلده الأصلي، حافظًا لسرّها، ذائدًا عن كرامتها، حتى لو حدته الشوق يومًا للعودة إلى دياره الأولى.
في الأثر خير عبرة
ولنا في سيرة سلمان الفارسي وبلال بن رباح رضي الله عنهما، خير مثال يُحتذى في الوفاء والانتماء الصادق. فقد تركا أرضهما وأهلهما بحثًا عن الحق، فوجداه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما خانا العهد، ولا نكثا الصدر الذي احتضنهما، بل كانا من أخلص الأوفياء لدين الله ورسوله.
لم يكن ولاؤهما شكليًّا أو عابرًا، بل كان انصهارًا كاملًا في القيم التي آمنا بها، فرفعا بذلك من شأن الدين، وسمَوا بأنفسهم إلى مقامٍ خلّده التاريخ، ليكونا نموذجًا لكل من وجد في غيره ملاذًا أو فرصة، فردّ الجميل بالوفاء، لا بالجحود.
خاتمة
إن الوفاء ليس خصلة تُطلب من الآخرين فحسب، بل واجبٌ يبدأ من الذات تجاه كل يدٍ امتدت بالعون، وكل أرضٍ فتحت صدرها للغريب. ومن يدرك هذا المعنى، يدرك أن الانتماء الحقيقي لا يتناقض مع الأصل، بل يكمله ويزيده رسوخًا.
الرجاء الانتظار ...