قيود عالمية على استخدام المراهقين .. هل خسرت وسائل التواصل الثقة؟

التاج الإخباري -

تتجه الحكومات حول العالم، إلى تشديد القيود على استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، في تحول تشريعي متسارع يعكس تراجع الثقة العامة بشركات التكنولوجيا الكبرى، وتصاعد المخاوف من تأثير المنصات الرقمية على الصحة النفسية للأطفال والشباب.

وترى صحيفة "الغارديان" البريطانية أن الجدل حول تنظيم وصول المراهقين إلى منصات التواصل يقترب من "نقطة تحول"، بعدما أصبحت بريطانيا أحدث دولة تعلن عزمها فرض حد أدنى للعمر يبلغ 16 عاماً لاستخدام المنصات الكبرى، لتلحق بموجة تشريعية بدأت تتسع منذ أن أقرت أستراليا العام الماضي قيوداً مشابهة على منصات تشمل: "إنستغرام" و"فيسبوك" و"يوتيوب" و"إكس" و"تيك توك" و"سناب شات".

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه شركات التكنولوجيا انتقادات متزايدة بشأن تصميم منصاتها، وما إذا كانت هذه المنتجات تشجع على الاستخدام القهري أو تعرض المراهقين لمخاطر كان يمكن تفاديها. 

كما يعكس التحول الجديد تزايد استعداد الحكومات للتدخل المباشر، حتى مع استمرار الجدل العلمي والسياسي بشأن حجم العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والصحة النفسية للمراهقين. 

مخاوف الآباء تتحول إلى ضغط سياسي
ينقل التقرير عن أرتورو بيخار، المهندس السابق في شركة "ميتا" والذي تحول لاحقاً إلى مبلغ عن ممارسات الشركة، قوله إنه تحدث مع أولياء أمور من دول عدة، ولم يلتقِ حتى الآن بوالد لأطفال صغار لا يشعر بالقلق من اليوم الذي يصبح فيه أبناؤه قادرين على استخدام الإنترنت.

وأضاف بيخار، الذي عمل مهندساً ومستشاراً رفيع المستوى في "ميتا"، أنه لم يلتقِ كذلك شاباً لم يتعرض لتجربة سيئة على الإنترنت كان من الممكن منعها، معتبراً أن المنصات "تواصل إظهار الأسباب التي تجعل الثقة بها صعبة".

وكان بيخار شاهداً في محاكمات حديثة بالولايات المتحدة خلصت إلى مسؤولية "ميتا" عن تصميم منتجات وُصفت بأنها تسبب الإدمان، إضافة إلى تضليل المستخدمين بشأن سلامة منصاتها. وأعلنت "ميتا" رفضها لتلك الأحكام ونيتها استئنافها، مؤكدة أن قضية الصحة النفسية للمراهقين "معقدة للغاية" ولا يمكن اختزالها في سبب واحد، ومشددة على التزامها ببناء بيئات رقمية آمنة وداعمة للشباب.

تشريعات تتوسع خارج أستراليا
لم تعد القيود العمرية على وسائل التواصل مقتصرة على أستراليا. فبحسب الغارديان، أدخلت إندونيسيا وماليزيا حظراً على استخدام بعض المنصات لمن هم دون 16 عاماً، بينما تدرس النمسا وفرنسا والنرويج فرض قيود عمرية مشابهة.

وفي البرازيل، فُرض حظر شامل على استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس، فيما لا يسمح للأطفال دون سن السادسة عشرة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلا إذا كانت حساباتهم مرتبطة بحساب أحد الوالدين.

وتعتزم بريطانيا تطبيق الحظر بحلول ربيع عام 2027، في حين تتجه كندا إلى منع من هم دون 16 عاماً من استخدام المنصات، ما لم تعتمد تلك التطبيقات تدابير حماية كافية للمستخدمين صغار السن.

أما في الولايات المتحدة، حيث تتمركز كبرى شركات التواصل الاجتماعي، فلا تبدو فرص فرض حظر مماثل على المستوى الفيدرالي مرتفعة، في ظل الحماية الدستورية المرتبطة بحرية التعبير، والانقسام السياسي، والمكانة الاقتصادية التي تحتلها شركات التكنولوجيا الكبرى.

قطاع التكنولوجيا يواجه موجة تنظيمية
في المقابل، تكثف شركات التكنولوجيا الكبرى جهود الضغط السياسي لمواجهة القيود الجديدة. ففي الاتحاد الأوروبي، أنفقت شركات التكنولوجيا نحو 150 مليون يورو، أي ما يعادل 130 مليون جنيه إسترليني، على أنشطة الضغط خلال العام الماضي، بزيادة تقارب الثلث خلال عامين، وفق بيانات أوردتها الغارديان عن مجموعتي "مرصد الشركات الأوروبية“ و“لوبي كونترول“.

وجاءت "ميتا" في صدارة الشركات الأكثر إنفاقاً بنحو 10 ملايين يورو، في حين قال أحد المشرعين الأوروبيين إن شركات التكنولوجيا "تقصف" بروكسل برسائل تشكك في جدوى حظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون سن معينة.

وفي الولايات المتحدة، تمارس شركات التكنولوجيا ضغوطاً ضد مشروع "قانون سلامة الأطفال على الإنترنت“، المعروض على مجلس الشيوخ، والذي يلزم المنصات باتخاذ إجراءات للحد من أضرار محددة على الأطفال، بما في ذلك الاستخدام القهري للتطبيقات.

وتشير بيانات منظمة "إيشو ون" (Issue One) إلى أن "ميتا" تعد أكبر شركة تكنولوجيا إنفاقاً على أنشطة الضغط في الولايات المتحدة، حيث تمتلك جماعات ضغط بمعدل يقارب شخصاً واحداً لكل ستة أعضاء في الكونغرس. وبين عامي 2020 و2024، أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى مجتمعة نحو 260 مليون دولار على أنشطة الضغط الفيدرالية.

واشنطن أكثر تحفظاً تجاه الحظر
انتقد البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب مراراً محاولات تنظيم قطاع التكنولوجيا خارج الولايات المتحدة، بما في ذلك احتمال فرض حظر وصفه بأنه "غير متناسب" على استخدام المراهقين لوسائل التواصل في بريطانيا.

ويرى داريل ويست، الباحث البارز في معهد بروكينغز، أن فرض حظر واسع على مستوى الولايات الأمريكية ليس مرجحاً، كما أن فرص تمرير حظر فيدرالي تبقى منخفضة، لأن عدداً كبيراً من المشرعين يعارضون تدخل الحكومة في تنظيم التكنولوجيا.

ويعكس هذا الموقف الفارق بين البيئة التنظيمية في الولايات المتحدة ودول أخرى، حيث تبدو الحكومات أكثر استعداداً لاستخدام التشريعات للحد من وصول الأطفال والمراهقين إلى منصات التواصل. 

بريطانيا قد تدفع دولاً أخرى للتحرك
ينقل تقرير الغارديان عن ثيو برترام، مدير ”مؤسسة السوق الاجتماعية“ والمسؤول التنفيذي السابق في "تيك توك"، قوله إن إعلان بريطانيا قد يمثل "نقطة تحول" عالمية في مسار تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح برترام أن التشريعات عادة تبدأ بدولة أو دولتين تعتبران خارج الاتجاه السائد، لكن عندما تنضم دولة ذات تأثير تنظيمي عالمي مثل بريطانيا إلى دولة مثل أستراليا، فإن ذلك قد يدفع دولاً أخرى إلى تبني سياسات مشابهة.

وأشار إلى أن شركات التكنولوجيا باتت تواجه تحدياً متزايداً مع تحوّل تنظيم القطاع إلى قضية مدفوعة بالرأي العام، لا بمجرد النقاشات الفنية أو الأدلة الأكاديمية. واعتبر أن هذه الشركات تخسر تدريجياً معركة الرأي العام، ما يمنح السياسيين حافزاً أكبر للتحرك.

بين الأضرار والفوائد
تلخص الحكومة البريطانية عمل لجنة الخبراء التي شكلتها لدراسة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين بالقول إن النتائج لا تزال "متوازنة"، إذ توجد أضرار معروفة، خصوصاً على الأفراد الأكثر عرضة للمخاطر، لكن هناك أيضاً فوائد لا يمكن تجاهلها.

ورغم ذلك، تتجه دول عدة إلى اعتبار أن المخاطر التي يتعرض لها من هم دون 16 عاماً تفوق الفوائد المحتملة، بما يفسر تسارع القرارات الحكومية نحو فرض قيود عمرية أو ربط حسابات الأطفال بحسابات أولياء الأمور.

ويخلص التقرير إلى أن صبر الحكومات والرأي العام تجاه شركات التواصل الاجتماعي بدأ ينفد، وأن الخيار التشريعي الأكثر حضوراً اليوم في التعامل مع علاقة المراهقين بهذه المنصات لم يعد الاكتفاء بإجراءات السلامة الداخلية، بل تقييد الوصول إليها أو إغلاق الباب أمام استخدامها لمن هم دون سن معينة.

ويقول بيخار إن الشباب يستحقون مساحات رقمية صُممت بما يناسبهم ويحميهم، في وقت يبدو فيه أن الثقة بقدرة شركات التكنولوجيا على تنظيم نفسها تتراجع، وإن الحكومات تميل أكثر فأكثر إلى فرض قواعدها الخاصة. 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى