جبارة يكتب: ما بعد كأس العالم صناع الوهم والعطايا الرقمية في مواجهة صناع الأثر
التاج الإخباري -
بقلم: د.عبدالله جبارةهارد لك لمنتخبنا الوطني النشامى وألف تحية لكل لاعب وجهاز فني وإداري ولكل مشجع وقف خلف هذا الحلم الوطني الكبير رغم أن هذه كانت المشاركة الأولى للأردن في كأس العالم إلا أن النشامى أثبتوا للعالم أن الأردن دولة كبيرة بأبنائها قوية بإرادة شعبها وأن القادم سيكون أقوى وأجمل بإذن الله
ما شهدناه خلال هذه المشاركة لم يكن مجرد حدث رياضي بل كان مشهدا وطنيا يجسد معنى الانتماء الحقيقي رأينا الأردنيين في الداخل والخارج يلتفون حول علمهم ووطنهم ورأينا أبناء الجالية الأردنية في الولايات المتحدة الأمريكية يفتحون قلوبهم وبيوتهم لاستقبال المشجعين كما رأينا آلاف النشامى الذين تحملوا مشقة السفر من الأردن إلى أمريكا ليكونوا السند الحقيقي للمنتخب في المدرجات
لكن في المقابل لفت انتباهي كما لفت انتباه الكثيرين أمر يستحق التوقف عنده فقد شاهدنا عددا ممن يطلق عليهم لقب المؤثرين على بعض منصات التواصل الاجتماعي أولئك الذين بنوا شهرتهم على الدعم والهدايا الافتراضية والأرقام والمتابعين بالملايين يسافرون إلى الولايات المتحدة تحت عنوان مؤازرة المنتخب الوطني لكن أين كان أثرهم الحقيقي
لم نر لهم حضورا مؤثرا يوازي حجم الشهرة التي يمتلكونها ولم نلمس دورا وطنيا أو إعلاميا يليق بما يقدمونه عن أنفسهم بل إن بعضهم بدا وكأنه سافر لصناعة محتوى شخصي لا لدعم وطن أو منتخب وكأن حدود تأثيرهم تنتهي عند شاشة الهاتف وكأن منصة البث المباشر أصبحت المساحة الوحيدة التي تمنحهم لقب مؤثر دون أن تقدم دليلا حقيقيا على هذا التأثير في الواقع
وهنا يجب أن نفرق بين من يطلق عليهم مؤثر وصانع الأثر فالمؤثر قد يجمع ملايين المشاهدات أما صانع الأثر فيترك بصمة فالمؤثر قد يحصد الإعجابات أما صانع الأثر فيصنع قيمة فالمؤثر قد يعيش على ما يمنحه الناس له أما صانع الأثر فيعيش بما يقدمه للناس
وفي الجهة الأخرى رأينا نماذج شبابية أردنية نفتخر بها شباب لم يصنعوا شهرتهم من الاستعراض أو المبالغة أو البحث عن الترند بل من العمل والمحتوى والرسالة والقيمة شباب مثل غماس والشوابكة والنشمي والعجارمة وغيرهم من النماذج الوطنية المشرفة لم يكتفوا بتشجيع المنتخب بل حملوا الأردن معهم إلى العالم روّجوا لمحافظاتنا وبوادينا وأريافنا وأظهروا كرم الأردنيين وأخلاقهم وسلطوا الضوء على قصص نجاح ومنتجات وعلامات تجارية أردنية وصلت إلى الأسواق الأمريكية والأوروبية قدموا صورة مشرقة عن الأردن وأثبتوا أن المحتوى يمكن أن يكون رسالة وأن المنصات يمكن أن تكون أداة بناء لا أداة استعراض
والحقيقة التي يجب أن تقال إن ما قام به هؤلاء الشباب خلال هذه المحطة الوطنية يفوق في بعض جوانبه ما عجزت عن تحقيقه مؤسسات تمتلك إمكانيات وميزانيات كبيرة فعلوا ذلك بإمكانات بسيطة ولكن بإيمان كبير بوطنهم ورسالتهم لم ينتظروا دعما ولم يبحثوا عن تصفيق بل عملوا لأنهم يؤمنون أن تمثيل الأردن مسؤولية قبل أن يكون فرصة
اليوم وبعد هذه المحطة الوطنية المهمة علينا أن نعيد النظر في مفهوم التأثير فليس كل من امتلك متابعين أصبح مؤثرا وليس كل من تصدر الشاشات أصبح صاحب رسالة هناك فرق كبير بين من يصنع وهما ومن يصنع أثرا بين من يجمع المشاهدات ومن يبني الصورة الوطنية بين من يميل إلى التهريج والاستعراض وبين من يحمل قضية ورسالة وقيمة مضافة لوطنه ومجتمعه.
نحن بحاجة إلى أن نرفع من مكانة صانع الأثر الحقيقي وأن نحتفي بالنماذج التي تقدم للأردن شيئا ملموسا لا أن نمنح الأضواء لمن لا يتجاوز تأثيره حدود الشاشة فالأوطان لا تبنيها أرقام المتابعين ولا الهدايا الافتراضية ولا البثوث المباشرة الأوطان يبنيها أصحاب الرسالة وصناع الأثر الحقيقيون أولئك الذين عندما تحين لحظة الاختبار يكونون في الصفوف الأولى يحملون اسم وطنهم بفخر ويتركون خلفهم أثرا يليق بالأردن ويليق بالنشامى
الرجاء الانتظار ...