حدادين يرد على العجارمة
التاج الإخباري -
د. يزن دخل الله حدادين.يثير النقاش الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في الأردن أسئلة قانونية ودستورية وفقهية تستحق الحوار الهادئ والعميق، بعيداً عن الانفعالات أو الأحكام المسبقة. وفي هذا السياق، جاء مقال الوزير الأسبق نوفان العجارمة ليطرح جملة من الملاحظات والاعتراضات التي تستحق الاحترام من حيث حق إبداء الرأي، لكنها في الوقت ذاته تستوجب التوقف عند بعض الاستنتاجات التي بدت وكأنها تحسم مسائل ذات طبيعة دينية وفقهية لا تزال محل نقاش ضمن الأوساط الكنسية والقانونية المختصة.
فمن حيث المبدأ، من المهم التمييز بين النقاش القانوني والنقاش اللاهوتي، فلكل منهما أدواته ومرجعياته الخاصة. وعندما يتعلق الأمر بتفسير التعاليم المسيحية أو بيان مدى انسجام مسألة معينة مع الفقه الكنسي، فإن الكنائس ومراجعها الروحية والقانونية تبقى صاحبة الاختصاص الأصيل في هذا المجال، بحكم معرفتها العميقة بتقاليدها وتشريعاتها الكنسية. ومن هنا، فإن أي نقاش حول هذه المسائل يكتسب قدراً أكبر من الدقة والموضوعية عندما يستند إلى المرجعيات الكنسية المختصة وإلى الأدبيات الفقهية المسيحية المعتمدة.
ومن أبرز النقاط التي أثيرت مسألة التبني، حيث جرى تصوير الأمر وكأنه خروج عن الثوابت الدينية المسيحية. والحقيقة أن هذا الطرح لا ينسجم مع الواقع التاريخي والفقهي للكنائس المسيحية في مختلف أنحاء العالم. فالتبني معروف ومشروع في العديد من الأنظمة الكنسية والتشريعات المدنية التي تطبق على المسيحيين، وينظر إليه باعتباره عملاً إنسانياً وأخلاقياً ينسجم مع قيم الرحمة والرعاية وحماية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية. وقد مارست المجتمعات المسيحية عبر قرون طويلة أشكالاً متعددة من التبني والرعاية الأسرية دون أن يعد ذلك خروجاً على جوهر الإيمان المسيحي.
كما أن النقاش حول الأحكام المقترحة يجب ألا يتحول إلى نزاع حول من يملك حق تفسير العقيدة. فالكنائس الأردنية، بمختلف طوائفها، ليست جهات طارئة على المجتمع أو الدولة، بل هي مؤسسات وطنية عريقة تمتلك مرجعياتها الدينية والقانونية وخبراتها المتراكمة. وهي الأقدر على تحديد ما يتوافق مع تعاليمها وما لا يتوافق معها. ومن الطبيعي أن يكون لها الدور الأساسي في صياغة التشريعات المتعلقة بأتباعها ضمن الإطار الدستوري والقانوني للدولة الأردنية.
أما من الناحية الدستورية، فإن الزعم بوجود تعارض بين مشروع القانون والدستور الأردني يحتاج إلى تدقيق أكبر. فالأصل في التشريع هو افتراض الدستورية ما لم يثبت العكس. والدستور الأردني منح السلطة التشريعية حق سن القوانين وتعديلها وإلغائها وفق الإجراءات الدستورية المعروفة. ولم يقرر الدستور أن بقاء قانون معين لعقود طويلة يمنحه حصانة أبدية ضد التعديل أو التطوير. بل على العكس، فإن فلسفة التشريع تقوم على مواكبة تطور المجتمع واحتياجاته ومتغيراته.
ومن هنا فإن الاستناد إلى ممارسات سابقة أو إلى قوانين نافذة منذ سنوات طويلة لا يصلح حجة قانونية تمنع التعديل. فلو أخذنا بهذا المنطق لما أمكن تعديل أي قانون في الدولة، ولما شهد النظام التشريعي الأردني التطورات الكبيرة التي عرفها خلال العقود الماضية في مجالات الأحوال الشخصية والعمل والاستثمار والشركات والجرائم الإلكترونية وغيرها. فوجود نص قانوني سابق لا يعني بالضرورة أنه النص الأفضل أو الأكمل أو الأنسب لكل زمان ومكان.
كما أن الاحتجاج بالتقاليد القانونية السابقة لا يمكن أن يعلو على الإرادة التشريعية التي تمارس ضمن الأطر الدستورية. فكل قانون في المملكة قابل للمراجعة والتطوير متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، شريطة أن يمر بالمراحل الدستورية المقررة وأن يحترم أحكام الدستور. وهذه قاعدة مستقرة في الفكر الدستوري الأردني لا خلاف عليها.
وفي جوهر الأمر، فإن النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على مدى تحقيق القانون لمصالح الأسر المسيحية الأردنية، ومدى قدرته على معالجة المشكلات الواقعية التي تواجهها، ومدى انسجامه مع المبادئ الدستورية ومع المرجعيات الكنسية المختصة. أما تحويل النقاش إلى أحكام قطعية حول العقيدة أو إلى مصادرة لحق الكنائس في تفسير شؤونها الدينية، فإنه يفتح باباً لا يخدم الحوار القانوني الرصين.
الأردن دولة مؤسسات وقانون، وتحترم التعددية الدينية والثقافية التي شكلت أحد عناصر قوتها واستقرارها عبر العقود. وفي هذا الإطار، فإن تطوير التشريعات الخاصة بالمواطنين المسيحيين لا ينبغي النظر إليه باعتباره خروجاً على الدستور أو على الدين، بل باعتباره جزءاً من العملية التشريعية الطبيعية التي عرفتها الدولة الأردنية منذ تأسيسها. فالكنيسة أدرى بشؤونها الدينية، والسلطة التشريعية أدرى بآليات سن القوانين، والدستور يبقى المرجع الأعلى الذي يحتكم إليه الجميع. وما دام القانون يسير ضمن هذه المنظومة الدستورية المتكاملة، فإن الجدل ينبغي أن يبقى في إطار الحوار العلمي والفقهي والقانوني، لا في إطار إصدار أحكام نهائية حول ما تقبله المسيحية أو ترفضه دون الرجوع إلى أصحاب الاختصاص الحقيقيين في هذا المجال.
الرجاء الانتظار ...