من الاستطلاع إلى الإغراق .. كيف تطور تركيا الجيل الجديد من المسيّرات؟
التاج الإخباري -
شهدت ساحات القتال خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في طبيعة الحروب والأسلحة المستخدمة، كان أبرزها الصعود المتزايد للأنظمة غير المأهولة والدرونات الانتحارية منخفضة التكلفة.فبعد هيمنة الطائرات المسيّرة الكبيرة المخصصة للاستطلاع وتنفيذ الضربات الدقيقة على مشاهد الصراع، بدأت الجيوش تتجه نحو استخدام أسراب من المسيّرات الرخيصة والقابلة للاستهلاك، القادرة على تنفيذ هجمات جماعية تستهدف إنهاك الخصم واستنزاف موارده الدفاعية.
وبرزت تركيا كأحد أبرز الفاعلين في تطوير هذا النمط من الحروب، بعدما لعبت مسيّراتها دوراً محورياً في عدد من ساحات القتال، من سوريا وليبيا وقره باغ إلى الحرب في أوكرانيا.
وفي المقابل، دفعت هذه التطورات أنظمة الدفاع الجوي إلى البحث عن حلول جديدة، عبر بناء شبكات دفاع متعددة الطبقات لمواجهة التهديدات المتزايدة.
ووفقاً لتحليل نشره الدكتور جان كاساب أوغلو، كبير محللي شؤون الدفاع في معهد هدسون والباحث الزائر في كلية دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن التحدي لم يعد يقتصر على اختراق الدفاعات الجوية بقدرات نوعية متقدمة، بل أصبح يتمثل في استنزافها عبر هجمات الإغراق.
وأشار إلى أن الدرونات الانتحارية، أو الذخائر المتسكعة، باتت تمثل السلاح الأمثل لهذا النوع من العمليات، نظراً لقدرتها على فرض معادلة تكلفة تستنزف الدفاعات الجوية، وتجبرها على استهلاك ذخائرها الاعتراضية مرتفعة الثمن.
وأوضح كاساب أوغلو أن أولى مؤشرات هذا التحول ظهرت بوضوح خلال معرض "SAHA 2026"، عندما عرضت شركة "بايكار" أنظمة الدرونات الانتحارية "Sivrisinek" و"Mızrak" و"K2" ضمن فعالية واحدة.
وبيّن أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في الكشف عن منتجات جديدة فحسب، بل في الإشارة إلى نشوء بنية عملياتية جديدة تعكس تحولاً في فلسفة استخدام الأنظمة غير المأهولة داخل القوات المسلحة.
وأشار إلى أن هذا التوجه يختلف جذرياً عن فلسفة التصميم التي قامت عليها منصات مثل "بيرقدار TB-2" و"أقنجي"، المصممة أساساً للبقاء لفترات طويلة في الجو، وتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة، وحمل أكبر قدر ممكن من الحمولات القتالية مع تقليل احتمالات خسارتها.
أما الجيل الجديد من الأنظمة، فيعتمد على معايير مختلفة، أبرزها انخفاض التكلفة، وإمكانية الإنتاج بأعداد كبيرة، والقدرة على تحمل الخسائر، والعمل ضمن أسراب منسقة، وتنفيذ هجمات إغراقية تستهدف تشبع أنظمة الدفاع الجوي وإرباكها.
ويوضح كاساب أوغلو أن الأنظمة الثلاثة التي عرضتها "بايكار" تمثل نموذجاً هجومياً متعدد الطبقات، يجمع بين مديات مختلفة ورؤوس حربية متنوعة ومهام عملياتية متكاملة.
فقد صُمم نظام "Sivrisinek" لتنفيذ هجمات أسراب واسعة النطاق ومنخفضة التكلفة، فيما يمثل نظام "Mızrak" طبقة وسطى توفر مدى أطول وقدرة تدميرية أكبر، بينما يُنظر إلى نظام "K2" بوصفه جزءاً من مفهوم الهجمات الانتحارية الثقيلة المخصصة لضرب الأهداف العميقة والحساسة.
وبحسب التحليل، يعكس هذا الهيكل تصوراً لعملية هجومية متدرجة ومتعددة المستويات، تتقدم فيها أسراب كبيرة من طائرات "Sivrisinek" لاستنزاف الدفاعات الجوية، تعقبها موجات من طائرات "Mızrak"، بينما تتولى أنظمة "K2" استهداف المواقع الاستراتيجية في العمق.
وشهدت مناورات "EFES 2026"، التي نفذتها القوات المسلحة التركية بين 11 نيسان و21 أيار الماضيين، ما وصفته شركة "STM" بأول عملية من نوعها عالمياً تُنفذ فيها مهمة هجومية بأسراب من الطائرات المسيّرة باستخدام ذخائر حية ضمن بيئة مناورات عسكرية.
وخلال المناورات التي أُجريت في منطقة تدريبات دوغان بي التابعة لسفري حصار في ولاية إزمير، نفذ سرب مكون من 20 طائرة مسيّرة انتحارية من طراز "KARGU" عملية استهداف دقيقة لأهداف محددة مسبقاً باستخدام ذخائر حية متفجرة، ضمن سيناريو يحاكي ظروف المعارك الفعلية.
وبحسب الشركة، أقلعت الطائرات خلال المرحلة الليلية من المناورة تحت سيطرة مشغل واحد، قبل أن تنتقل بصورة ذاتية إلى منطقة الهدف، معتمدة على خوارزميات وطنية بالكامل وبنية سربية موزعة، ما أتاح لها اكتشاف الأهداف وتصنيفها وتنفيذ هجوم متزامن من دون تدخل مباشر خلال مراحل التنفيذ.
كما تمكنت طائرات "KARGU" من التواصل فيما بينها وتبادل معلومات الأهداف في الزمن الحقيقي، قبل تنفيذ هجوم وفق مفهوم الإغراق، عبر تفجير رؤوسها الحربية المضادة للأفراد فوق الأهداف المحددة.
ودخلت طائرة "KARGU" الخدمة في القوات المسلحة التركية عام 2018، وتُستخدم في مهام مكافحة الإرهاب والعمليات الخاصة والعمليات العابرة للحدود.
كما جرى تصديرها إلى 15 دولة في أربع قارات، وتتمتع بقدرة على العمل ليلاً ونهاراً، والبقاء في الجو لأكثر من 30 دقيقة، ومدى يصل إلى 10 كيلومترات، إلى جانب تزويدها بكاميرات كهروبصرية وأخرى تعمل بالأشعة تحت الحمراء.
وأكدت شركة "STM" أن البرمجيات المطورة محلياً تتيح للطائرة مواصلة تنفيذ مهامها حتى في بيئات الحرب الإلكترونية، وبشكل مستقل عن أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
ويرى كاساب أوغلو أن هذه العمليات تعكس مستوى متقدماً من قدرات تبادل البيانات والقيادة والسيطرة بين الأنظمة غير المأهولة، مشيراً إلى الحضور الفاعل لأنظمة شركة "بايكار" خلال المناورات.
واعتبر أن هذا التحول يعيد تشكيل معادلة التكلفة في الحروب الحديثة، إذ باتت الدرونات الانتحارية منخفضة التكلفة قادرة على استنزاف ذخائر الدفاع الجوي مرتفعة الثمن وإجبار الخصوم على استهلاكها بوتيرة متسارعة.
وأضاف أن قراءة مخرجات معرض "SAHA 2026" ومناورات "EFES 2026" تكشف أن تركيا لا تطور منصات جديدة فحسب، بل تستعد لنموذج جديد من الحروب يعتمد على الأنظمة الذاتية وأسراب الدرونات.
وبحسب تقديره، فإن التفوق في ساحات القتال المستقبلية لن يكون للطرف الذي يمتلك المنصة الأكثر تطوراً فقط، بل للطرف القادر على إنتاج أكبر عدد من الأنظمة الذكية منخفضة التكلفة والقادرة على العمل بشكل منسق.
وتوقع كاساب أوغلو أن تتحول منصات مثل "أقنجي" و"قزل إلما" مستقبلاً من منصات هجومية مباشرة إلى مراكز قيادة وسيطرة جوية، تتولى إدارة عمليات أسراب الدرونات وتنسيق عملها في ميدان المعركة.
المصدر: وكالات
الرجاء الانتظار ...