صنّاع التاريخ .. كيف حوّل "النشامى" حلم المونديال إلى واقع؟

التاج الإخباري -

بقلم: صالحة الناصر ْ

لم تكن ليلة تأهل المنتخب الوطني الأردني لكرة القدم "النشامى" إلى نهائيات كأس العالم 2026 مجرد حدث رياضي عابر يُضاف إلى سجلات الكرة الآسيوية، بل لحظة وطنية استثنائية أنهت عقوداً طويلة من الانتظار، ومحاولات متكررة توقفت عند الأمتار الأخيرة منذ تصفيات مونديال 1986.

في تلك الليلة التي عمّت فيها الاحتفالات العاصمة عمّان وامتدت إلى مختلف محافظات المملكة، كتب الأردن فصلاً جديداً في تاريخه الرياضي، مؤكداً أن الإيمان بالقدرات، إلى جانب العمل والتخطيط، قادر على تحويل الأحلام إلى واقع.

نقطة التحول: من وصافة آسيا إلى بوابة العالمية

تكشف قراءة مسيرة المنتخب الأردني خلال السنوات الأخيرة أن هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تطور فني متدرج ونضج واضح بدأ يفرض نفسه بقوة خلال نهائيات كأس أمم آسيا 2023. ففي الملاعب القطرية، قدّم "النشامى" مستويات لافتة وشخصية تنافسية عالية قادتهم إلى المباراة النهائية لأول مرة في تاريخهم.

ولم تكن وصافة القارة مجرد إنجاز عابر، بل شكّلت نقطة تحول نفسية وفنية لهذا الجيل من اللاعبين؛ فقد أدرك الفريق، بقيادة أسماء بارزة مثل موسى التعمري، وعلي علوان، ويزن النعيمات، أن منافسة كبار المنتخبات الآسيوية لم تعد حلماً بعيد المنال، وأن التأهل المباشر إلى كأس العالم هدف مشروع يمكن تحقيقه.

مسار التصفيات: صمود واستقرار فني

لم يكن طريق التصفيات سهلاً، بل حمل العديد من التحديات التي اختبرت شخصية المنتخب وقدرته على تجاوز الضغوط. ففي الدور الثاني، بدأ المشوار ببعض التعثر بعد تعادل أمام طاجيكستان وخسارة أمام السعودية، قبل أن يستعيد الفريق توازنه ويحقق سلسلة من النتائج الإيجابية، كان أبرزها الفوز الكبير على باكستان بنتيجة 7-0، لينهي هذا الدور متصدراً مجموعته بفارق الأهداف.

وفي يونيو 2024، واجه المنتخب محطة مهمة بعد رحيل المدير الفني المغربي الحسين عموتة، إلا أن الاستقرار الفني استمر بتولي مواطنه جمال السلامي قيادة الجهاز الفني، حيث نجح في الحفاظ على هوية الفريق وروحه الجماعية، مع إضافة بعض اللمسات التكتيكية التي أسهمت في مواصلة المشوار بثبات خلال الدور الحاسم من التصفيات.

وجاءت ليلة الحسم أمام المنتخب العُماني لتختصر سنوات من الانتظار؛ إذ حقق "النشامى" فوزاً مستحقاً بثلاثية نظيفة حملت توقيع علي علوان، الذي سجل "هاتريك" تاريخياً، ليرفع المنتخب رصيده إلى 16 نقطة ويضمن تأهله المباشر إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه.

مواجهات الكبار: اختبار عالمي جديد

مع تحقق الحلم، تتجه الأنظار إلى المشاركة الأردنية الأولى في كأس العالم 2026، حيث سيخوض المنتخب تحدياً استثنائياً أمام نخبة من المنتخبات العالمية، في تجربة تمثل محطة جديدة في مسيرة الكرة الأردنية.

ووفق جدول المباريات المعلن، يستهل "النشامى" مشوارهم في البطولة بمواجهة المنتخب النمساوي يوم 16 يونيو على ملعب "سان فرانسيسكو باي أرينا" بمدينة سان فرانسيسكو، قبل أن يلتقوا المنتخب الجزائري في 22 يونيو على الملعب ذاته، فيما يختتمون منافسات دور المجموعات بمواجهة مرتقبة أمام بطل العالم المنتخب الأرجنتيني يوم 27 يونيو على ملعب دالاس.

وتمنح هذه المواجهات الجماهير الأردنية فرصة لمتابعة منتخبها الوطني وهو يختبر قدراته أمام مدارس كروية مختلفة، في محطة تاريخية يسعى خلالها إلى تقديم صورة مشرّفة عن الكرة الأردنية على أكبر مسرح كروي في العالم.

أبعد من المستطيل الأخضر

لا يقتصر تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم 2026 على كونه إنجازاً رياضياً غير مسبوق، بل يمثل رسالة ملهمة حول أهمية الاستثمار في المواهب المحلية، والعمل المؤسسي، والاستمرارية في بناء المنتخبات الوطنية.

كما يجسد ثمرة جهود متراكمة شاركت فيها الأجهزة الفنية والإدارية واللاعبون، إلى جانب الدعم الملكي والجماهيري الكبير الذي رافق المنتخب في مختلف محطاته.

اليوم، لا ينظر الأردنيون إلى مشاركتهم الأولى في المونديال باعتبارها مجرد حضور شرفي، بل باعتبارها فرصة حقيقية لتقديم صورة مشرّفة عن الكرة الأردنية أمام العالم.

فبعد أن كان التأهل حلماً يراود الأجيال، أصبح حقيقة كُتبت بإصرار "النشامى"، لتبدأ معها صفحة جديدة من الطموح والثقة بأن صناعة التاريخ ليست مستحيلة لمن يؤمن بقدرته على تحقيقها.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى