مسلسل واحد أعاد فتح ملف الحجاب .. لماذا انقسم الأتراك حول "شولة"؟

التاج الإخباري -

لم يكن مسلسل "إنها حكايتك يا شُولة" مجرد عمل درامي جديد على الشاشات التركية، بل تحوّل منذ الإعلان عنه إلى محور نقاش واسع تجاوز حدود الفن ووصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع التركي.

فالمسلسل الذي يستعيد سيرة الكاتبة والناشطة الراحلة شولة يوكسل شنلر، إحدى أبرز المدافعات عن حق النساء في ارتداء الحجاب، أعاد إلى الواجهة جدلا قديما لم يفقد قدرته على إثارة الانقسام بين المحافظين والعلمانيين

حضور أردوغان وتوسّع دائرة الجدل
مع حضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعقيلته العرض الافتتاحي للعمل، ازدادت الأنظار الموجهة إلى المسلسل، وانتقل النقاش سريعا من إطار التقييم الفني إلى سجال أوسع حول الرسائل التي يحملها. بين من رأى فيه توثيقا لمرحلة مهمة من تاريخ النساء المحجبات في تركيا، ومن اعتبره امتدادا لمعركة الهوية والثقافة التي لا تزال تلقي بظلالها على الحياة التركية حتى اليوم.

أنصار العمل قرؤوا حضور الرئيس بوصفه لفتة تقدير لشخصية شعلة يوكسل شنلر وما تمثله من رمزية في الذاكرة المحافظة داخل تركيا، معتبرين أنه يعكس اهتماما رسميا بقصص ظلت لسنوات خارج الضوء الدرامي والإعلامي. في المقابل رأى منتقدون أن هذه المشاركة تضيف ثقلا سياسيا إضافيا إلى المسلسل، وتجعله أكثر ارتباطا بسجال الهوية في تركيا بدلا من أن يبقى في إطار دراما السيرة الذاتية، وهو ما ساهم في توسيع دائرة النقاش حوله.

وامتد الجدل إلى أبطال العمل، الذين تعرضوا لانتقادات وهجمات عبر منصات التواصل بسبب مشاركتهم فيه، لتتحول حكاية شعلة من سيرة شخصية إلى نقاش أوسع حول الذاكرة والهوية والانقسامات.

فالحجاب في تركيا ليس مجرد مسألة شخصية، بل قضية ارتبطت تاريخيا بسجالات سياسية وثقافية حول العلمانية ودور الدين في المجال العام، وهو ما يجعل أي عمل فني يلامس هذا الملف عرضة لقراءات متناقضة.

مشهد فجّر الانقسام
تصاعدت حدة النقاش بعد تداول مشهد حواري من العمل اعتبره كثيرون من أكثر اللحظات إثارة للجدل في الدراما التركية الحديثة، بسبب مباشرته العلاقة الحساسة بين الخطاب العلماني والخطاب الديني.



في هذا المشهد تنتقد إحدى الشخصيات ما تراه ازدواجية في الخطاب العام قائلة إن "حقوق الإنسان، المساواة، الحرية، كلمات لا تغيب عن ألسنتهم، لكن إذا خرج أحدهم وقال إسلام أو قال الله، تعالت صرخاتهم بأن العلمانية في خطر".

منتقدو المسلسل رأوا في هذا الطرح خطابا صداميا مباشرا، بينما اعتبره مؤيدون انعكاسا لواقع اجتماعي قائم، مما زاد من حدة الاستقطاب حول العمل.

ملاحظات فنية وسط ضجيج سياسي
إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي، طُرحت ملاحظات فنية عدة، من بينها الاعتماد على خطاب عاطفي وديني مكثف، وتقديم الشخصيات في إطار ثنائي حاد بين "الخير" و"الشر"، إضافة إلى معالجة السيرة بأسلوب أقرب إلى الرسالة المباشرة منه إلى بناء درامي متوازن.

مع ذلك يرى كثيرون أن الطابع الغالب على الجدل يبقى سياسيا وثقافيا أكثر منه نقاشا فنيا خالصا، وأن استقبال المسلسل يتأثر بسياقه السياسي بقدر ما يتأثر بمستواه الدرامي.

تفاعل عربي.. نافذة مختلفة على صورة المحجبة
لم يقتصر تفاعل "شعلة" على الأوساط التركية، بل امتد إلى الأوساط العربية التي أبدى جزء منها ترحيبا بالعمل. بعض المتابعين العرب رأوا فيه محاولة لإلقاء الضوء على صورة المرأة المسلمة والمحجبة ضمن سياق يركز على التجربة والهوية والمعاناة الاجتماعية، بعيدا عن الصور النمطية التي تظهر أحيانا في الدراما.

كما اعتبر آخرون أن المسلسل يفتح نافذة مختلفة على تمثيل الإسلام والمرأة في الدراما التركية، حتى وإن استمر الجدل حوله داخل سياقه الأصلي في تركيا.

شُولة يوكسل شنلر.. سيرة تقف خلف العمل
يستند المسلسل إلى سيرة الكاتبة والناشطة شولة يوكسل شنلر، التي تعد من أبرز المدافعات عن حقوق النساء المحجبات في تركيا خلال القرن العشرين. عُرفت بكتاباتها ومواقفها التي ركزت على حق المرأة في الجمع بين هويتها الدينية ومشاركتها في الحياة العامة، في مرحلة كانت فيها هذه القضايا شديدة الحساسية.

تعود الأحداث إلى الفترة الممتدة بين أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات، وهي مرحلة شهدت تصاعد الجدل حول الحجاب وموقع الدين في المجال العام، ضمن توازنات دقيقة بين التيارات العلمانية والمحافظة.

ينطلق العمل من هذه السيرة ليقدم رحلة امرأة تبدأ من تجربة شخصية مع القيود الاجتماعية، قبل أن تتحول تدريجيا إلى صوت فكري واجتماعي يدافع عن هذا الحق. ورغم استناده إلى شخصية حقيقية، يمزج المسلسل بين الوقائع والخيال الفني، وهو ما فتح نقاشا حول حدود التوثيق وإعادة البناء الدرامي حين يتعلق الأمر بسير شخصيات ما زالت حاضرة في الذاكرة.

صراع على الذاكرة والهوية
لا يمكن فصل الجدل الذي يحيط بمسلسل "شولة" عن القضية التي يلامسها مباشرة: الحجاب في تركيا، أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في الذاكرة التركية الحديثة. فالعمل لا يروي سيرة امرأة فحسب، بل يعيد فتح جرح تاريخي مرتبط بمرحلة شعرت خلالها شرائح واسعة من المحجبات بالإقصاء داخل الجامعات والمؤسسات العامة.

أنصار التيار المحافظ يرون في المسلسل إنصافا لتجارب تم تهميشها، فيما يعتبره معارضون إعادة إنتاج لصراع ثنائي بين "علماني" و"متدين"، بدلا من تقديم قراءة أكثر هدوءا وتعقيدا لذلك التاريخ.

تتضاعف حساسية المسلسل أيضا بسبب ظروف إنتاجه وعرضه عبر منصة "تابي" التابعة لـ"تي آر تي" الرسمية، وما رافق إطلاقه من دعم سياسي وإعلامي لافت. هذا دفع كثيرين إلى قراءته بوصفه أكثر من عمل درامي، بل جزءا من معركة السردية حول مرحلة مفصلية من تاريخ تركيا المعاصر.

هكذا تحوّل "شولة" من مسلسل يروي سيرة شخصية إلى عمل يثير نقاشا واسعا حول فترة لا تزال حاضرة في الذاكرة التركية. وبين من يراه إنصافا لتجربة غُيبت طويلا ومن يعتبره إعادة إحياء لانقسامات قديمة، يبدو مؤكدا أن المسلسل أعاد ملف الحجاب والهوية إلى واجهة الجدل في تركيا من جديد.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى