80 عاماً من الاستقلال .. كيف بنى الأردن أمنه الغذائي؟
التاج الإخباري -
لينا الناصرالشبلي لـ”التاج”: خلال 80 عاماً الأردن أسس نموذجاً متقدماً في الأمن الغذائي
الشبلي لـ”التاج”: شح المياه التحدي الأكبر أمام الأمن الغذائي الأردني
في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن، تواصلت مسيرة البناء والتقدم في مختلف القطاعات رغم التحديات.
ويبرز ملف الأمن الغذائي كأحد أهم التحديات المرتبطة بواقع الموارد الطبيعية والظروف الجغرافية للمملكة
وفي هذا السياق قال مستشار الأمن الغذائي د.مطيع الشبلي إن الأردن منذ إعلان استقلاله خاض رحلة طويلة من البناء والتنمية في مختلف القطاعات، وكان ملف الأمن الغذائي واحداً من أكثر الملفات حساسية وأهمية نظراً لطبيعة المملكة الجغرافية والمناخية ومحدودية الموارد الطبيعية وعلى رأسها المياه والأراضي الزراعية.
وأضاف الشبلي في حديثه لـ"التاج الإخباري" أن الأردن، رغم تلك التحديات، استطاع عبر ثمانية عقود أن يؤسس نموذجاً وطنياً متقدماً في إدارة الغذاء والزراعة وتحقيق الاستقرار التمويني، معتمداً على الإرادة السياسية والتخطيط الحكومي وكفاءة الإنسان الأردني.
وبيّن أن الأمن الغذائي شكل جزءاً أساسياً من مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، خاصة مع تعاقب الأزمات الإقليمية والعالمية، من الحروب والنزاعات إلى الأزمات الاقتصادية وجائحة كورونا، وصولاً إلى التغير المناخي وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، مع الحفاظ على الاستقرار الغذائي وتأمين احتياجات المواطنين الأساسية.
البدايات الأولى: الزراعة كركيزة للاستقرار الوطني
وأوضح الشبلي أنه في العقود الأولى بعد الاستقلال اعتمد الأردن على الزراعة التقليدية والثروة الحيوانية، حيث كانت الأغوار والسهول الشمالية والبادية تشكل مصادر رئيسية للإنتاج الزراعي، مع تركيز الدولة على دعم المزارعين وتوسيع الرقعة الزراعية وتحسين أنظمة الري.
وأشار إلى أنه مع إنشاء المؤسسات الحكومية المختصة بالزراعة والتموين بدأت تتشكل ملامح سياسة غذائية وطنية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الجزئي في عدد من المحاصيل الأساسية مثل القمح والشعير والخضروات والفواكه.
وأضاف أن مشاريع الري الكبرى وعلى رأسها مشروع قناة الغور الشرقية ساهمت في تحويل الأغوار الأردنية إلى سلة غذائية وطنية.
الأغوار الأردنية: قصة نجاح وطنية
وقال إن الأغوار الأردنية تعد من أبرز النماذج التنموية في تاريخ المملكة، حيث تم استثمارها لتصبح مركزاً رئيسياً لإنتاج الخضروات والفواكه على مدار العام.
وبيّن أن المناخ الدافئ والتقنيات الزراعية الحديثة جعلت المنتجات الأردنية منافسة في الأسواق المحلية والعربية خاصة في دول الخليج العربي، وأصبح القطاع الزراعي مصدراً مهماً للتشغيل ودعم الاقتصاد الوطني.
وأضاف الشبلي لـ"التاج" أن العقود الأخيرة شهدت تطوراً في استخدام البيوت البلاستيكية والزراعة المائية والزراعة الذكية لمواجهة شح المياه وارتفاع كلف الإنتاج.
شح المياه.. التحدي الأكبر
وأشار إلى أن الأردن من أفقر دول العالم مائياً، ما شكل التحدي الأبرز أمام الأمن الغذائي، خاصة مع تزايد عدد السكان واستقبال موجات اللجوء، ما ضاعف الضغط على الموارد الطبيعية.
وبيّن أن الدولة تعاملت مع هذا التحدي عبر تطوير تقنيات الري الحديثة، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة، وبناء السدود والحفائر المائية، وتشجيع الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه، ودعم البحث العلمي الزراعي.
وأضاف أن هذه الإجراءات ساهمت في استدامة القطاع الزراعي وتقليل الفاقد المائي رغم الظروف المناخية الصعبة.
الأمن الغذائي في مواجهة الأزمات
وأوضح أن الأردن أثبت خلال العقود الماضية قدرة عالية على إدارة الأزمات الغذائية، خاصة خلال أزمة الغذاء العالمية عام 2008، وجائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات سلاسل التوريد العالمية.
وأضاف الشبلي أن المخزون الاستراتيجي من القمح والشعير والمواد الأساسية لعب دوراً محورياً، حيث عملت الدولة على تعزيز الاحتياطات الغذائية وتأمين الاستيراد من مصادر متعددة، ما حافظ على استقرار السوق المحلي.
وأشار إلى تعزيز منظومة الرقابة على الغذاء عبر المؤسسات الصحية والرقابية لضمان سلامة الغذاء وجودته.
جائحة كورونا.. نقطة تحول في استراتيجية الأمن الغذائي
وقال الشبلي إن جائحة كورونا شكلت محطة مفصلية في مفهوم الأمن الغذائي عالمياً، وكشفت هشاشة سلاسل التوريد وأهمية امتلاك استراتيجيات وطنية للطوارئ.
وأضاف أن هناك اهتماماً ملكياً مباشراً بهذا الملف، حيث وجه جلالة الملك عبد الله الثاني الحكومة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة للأمن الغذائي تقوم على تعزيز الاعتماد على الذات وضمان استدامة المخزون الاستراتيجي وتطوير القطاع الزراعي بالتكنولوجيا الحديثة.
وبيّن أن جلالة الملك أكد أن الأمن الغذائي أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني الأردني.
وأوضح أن الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي هدفت إلى تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم المزارعين، وتشجيع الاستثمار الزراعي والغذائي، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الزراعية، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، ورفع مستوى الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات.
وأشار إلى أن الأردن نجح خلال جائحة كورونا في إدارة الملف الغذائي بكفاءة عالية، حيث حافظت الأسواق على استقرارها واستمرت سلاسل التزويد دون نقص حاد في المواد الأساسية.
التكنولوجيا والابتكار الزراعي
وقال الشبلي إن الأردن اتجه في السنوات الأخيرة إلى الزراعة الذكية والتكنولوجيا الزراعية الحديثة، بما يشمل الزراعة بدون تربة، وأنظمة الري المحوسبة، والطاقة الشمسية في المزارع، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الإنتاج الزراعي، والتحول الرقمي في التسويق الزراعي.
وأضاف أن مبادرات ريادية شبابية وشركات ناشئة بدأت بالظهور في هذا المجال.
دور القيادة الهاشمية في دعم الأمن الغذائي
وأشار إلى أن ملف الأمن الغذائي حظي باهتمام القيادة الهاشمية منذ تأسيس الدولة وصولاً إلى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني، الذي أكد أن تعزيز قدرة الدولة على توفير احتياجات المواطنين الأساسية وفي مقدمتها الغذاء يمثل أولوية وطنية.
وبيّن أن هذه الرؤية جاءت منسجمة مع خطط التحديث الاقتصادي التي وضعت الأمن الغذائي ضمن أولويات التنمية المستدامة.
الأمن الغذائي والاستقلال.. رسالة وطنية
وقال إنه في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية تبدو مسيرة الأمن الغذائي الأردني واحدة من قصص النجاح الوطنية التي تعكس قدرة الدولة على البناء رغم التحديات.
وأضاف أن الأردن استطاع الحفاظ على استقراره الغذائي وتطوير قطاعه الزراعي وبناء منظومة متقدمة في إدارة الغذاء والإنتاج الزراعي رغم شح المياه وقلة الموارد والظروف الإقليمية المعقدة.
وختم بأن مسيرة الأمن الغذائي الأردني ليست مجرد قصة زراعة وتموين بل هي قصة إرادة وطن وعزيمة قيادة وكفاءة شعب وأن الأمن الغذائي جزء من الأمن الوطني والسيادة والاستقلال.
وأشار الشبلي لـ"التاج" إلى أن الجهود مستمرة لبناء مستقبل غذائي أكثر استدامة يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا والشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
الرجاء الانتظار ...