حدود النار الباردة… الأردن في مواجهة إرث الكبتاغون بعد سقوط الأسد

التاج الإخباري -

موفق الرياحنة

لم يعد ملف تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية السورية مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّل إلى معركة سيادة مفتوحة، تتداخل فيها بقايا الحرب السورية، وشبكات التهريب المنظمة، ومصالح جماعات راكمت نفوذها فوق أنقاض الدولة، ثم حاولت النجاة بعد تغيّر المشهد السياسي في دمشق.

كان الأردن، خلال سنوات الفوضى السورية، في قلب خط نار غير معلن؛ فحدوده الشمالية تحولت إلى واحد من أخطر المسارات التي استخدمتها شبكات تهريب المخدرات، وتحديدًا الكبتاغون، باتجاه الإقليم والعالم. ولم تكن المسألة مجرد عبور بضائع محرّمة، بل منظومة كاملة لها طرقها، ومخازنها، ووسطاؤها، وحماياتها، وأذرعها المنتشرة في مناطق رخوة أمنياً.

ومع سقوط نظام الأسد، بدا أن صفحة جديدة قد تُفتح بين عمّان ودمشق، عنوانها التعاون الأمني وتفكيك إرث ثقيل من اقتصاد التهريب. تعهّدات السلطات السورية الجديدة بالتعاون مع الأردن لمكافحة المخدرات والأسلحة، وتشكيل لجنة أمنية مشتركة في كانون الثاني 2025، عكسا إدراكًا واضحًا بأن أمن الحدود لم يعد شأناً أردنياً منفرداً، بل اختبار حقيقي لقدرة سوريا الجديدة على بسط سلطتها وكسر نفوذ الشبكات التي نمت في زمن الحرب.

لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً من البيانات الرسمية. فالسويداء، بحكم موقعها القريب من الحدود الأردنية، بقيت نقطة ساخنة في هذا الملف. وما كشفته تحقيقات دولية عن استمرار محاولات التهريب بعد سقوط الأسد يؤكد أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة سقوط شبكات الظل؛ فهذه الجماعات لا ترتبط فقط بسلطة سياسية، بل باقتصاد كامل قائم على الفوضى والربح السريع وتدوير النفوذ.

من هنا، يمكن فهم استمرار الجيش الأردني في توجيه ضربات دقيقة ضد جماعات التهريب ومخازنها ومزارع تخزينها في ريف السويداء الجنوبي والشرقي. فعمّان لا تتعامل مع هذا الملف بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الوقاية الاستراتيجية؛ لأن أي تراخٍ على الحدود يعني السماح بتحول المخدرات إلى سلاح اجتماعي وأمني يستهدف الداخل الأردني قبل أن يعبر إلى غيره.

الأردن اليوم لا يخوض معركة ضد مهرّبين فقط، بل ضد مرحلة كاملة خلّفتها الحرب السورية؛ مرحلة صنعت طرقاً سرية، وولاءات مشبوهة، واقتصاداً أسود يصعب تفكيكه بين ليلة وضحاها. ولذلك فإن نجاح التعاون الأردني السوري سيُقاس على الأرض لا في التصريحات: بتجفيف المخازن، واعتقال الرؤوس، وكسر خطوط الإمداد، ومنع إعادة إنتاج الكبتاغون بثوب جديد.

إن الحدود الشمالية للأردن لم تعد مجرد خط جغرافي، بل جدار اختبار للأمن الوطني. وما يجري هناك يؤكد أن الأردن، وهو يفتح باب التعاون مع سوريا الجديدة، لا يغلق عينه عن الخطر، ولا يراهن على الوعود وحدها. فالرسالة الأردنية واضحة: يد ممدودة للتعاون، ويد حازمة على الزناد حين يقترب الخطر من حدود الوطن


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى