بعد قرار إيطاليا .. هل ستعلق الدول الأوروبية اتفاقياتها العسكرية مع إسرائيل؟

التاج الإخباري -

 أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجا ميلوني، بكلمات مقتضبة، تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل.

وجاء هذا القرار من حكومة يمينية تُعد من أبرز حلفاء تل أبيب في أوروبا، في خطوة لم تأت من فراغ، بل عكست تراكمات ميدانية وسياسية متزايدة، وتغيرا في موازين الضغط الداخلي والخارجي.

ويطرح القرار تساؤلات حول طبيعة هذا التعاون وحجمه، وحجم الخسائر التي قد تتكبدها إسرائيل، وما إذا كانت خطوة روما قد تمهد لتوسيع قيود التسليح في دول أوروبية أخرى.

التوتر الأخير

لم يكن الموقف الإيطالي وليد اللحظة، إذ جاء عقب تصعيد مباشر طال قواتها. فقد أعلن الجيش الإيطالي أن القوات الإسرائيلية أطلقت طلقات تحذيرية باتجاه قافلة تابعة لقوات حفظ السلام الإيطالية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، ما أدى إلى تضرر مركبة على الأقل دون وقوع إصابات.

وقد دفع هذا الحادث روما إلى استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج، تلاه توجه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلى بيروت، حيث أكد أن بلاده جاءت للتعبير عن تضامنها مع لبنان عقب ما وصفه بالهجمات غير المقبولة من إسرائيل ضد المدنيين. وردت حكومة بنيامين نتنياهو باستدعاء السفير الإيطالي في تل أبيب.

طبيعة الاتفاقية وحجم التعاون العسكري

تعود جذور المذكرة الدفاعية إلى عام 2003، وقد صُدق عليها لاحقا لتدخل حيز التنفيذ، وتنص على التجديد التلقائي كل خمس سنوات، وتشمل مجالات استيراد وتصدير وعبور المعدات العسكرية، إضافة إلى التدريب المشترك والأبحاث الدفاعية.

ورغم ذلك، يظل حجم التعاون الفعلي محدودا، إذ تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام التي نقلتها صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن الولايات المتحدة وألمانيا تؤمنان نحو 99% من واردات إسرائيل من الأسلحة التقليدية الرئيسية، فيما تأتي إيطاليا في المركز الثالث بنسبة تقارب 1%.

وقد تركزت الإمدادات الإيطالية في الفترة الأخيرة على مدافع بحرية من عيار 76 مليمترا ومروحيات "كوالا إيه دبليو 119"، في إطار تعاون دفاعي مستمر.

ورغم وجود قانون إيطالي منذ عام 1990 يحظر تصدير الأسلحة إلى دول في حالة حرب، كشف تحليل لموقع "ألترا إيكونوميا" الإيطالي، الذي استندت إليه "دويتشه فيله"، أن روما صدرت أسلحة بقيمة 5.2 ملايين يورو إلى إسرائيل خلال العام الماضي، وهو ما يجعل قرار تعليق الاتفاقية يضع هذا المسار تحت تدقيق قانوني وسياسي مشدد، ويثير تساؤلات حول مستقبل هذه الشحنات.

الضغط الداخلي: القانون والشارع والمعارضة

لم يأت القرار من الحكومة وحدها، بل جاء نتيجة ضغوط داخلية متراكمة. فقد طالبت أحزاب المعارضة الإيطالية منذ فترة بوقف الاتفاق مع إسرائيل، معتبرة أنه لم يعد متوافقا مع المواقف السياسية والحقوقية.

وأكدت إيلي شلاين، زعيمة الحزب الديمقراطي اليساري الوسطي، أن هذا المطلب كان مطروحا منذ مدة إلى جانب قوى تقدمية أخرى، مشيرة إلى ضرورة دعم تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

كما شهد يونيو/حزيران الماضي طعنا قانونيا تقدم به 10 من أساتذة القانون الدستوري والدولي ضد شرعية تجديد المذكرة، مستندين إلى قرارات محكمة العدل الدولية بشأن الإبادة والاحتلال، إضافة إلى مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.

وامتد الضغط إلى الشارع الإيطالي أيضا، حيث خرجت مظاهرات حاشدة ومتكررة خلال العامين الماضيين في مختلف المدن، احتجاجا على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وامتدادها إلى لبنان، ما شكل عاملا إضافيا في تشكيل الموقف السياسي.

ما الذي خسرته إسرائيل؟

حاولت إسرائيل رسميا التقليل من أثر القرار، إذ قالت وزارة خارجيتها إنه لا يوجد اتفاق أمني فعلي مع إيطاليا، وإن ما هو قائم مجرد مذكرة تفاهم قديمة لا تتضمن محتوى جوهريا، وبالتالي لن يكون لها تأثير على الأمن الإسرائيلي. وكرر وزير الخارجية جدعون ساعر الموقف ذاته.

ورغم ذلك، ترى معطيات سياسية أن الخسارة الإسرائيلية لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى أبعاد استراتيجية، من بينها خسارة حليف أوروبي مهم تحول من شريك إلى منتقد، مع تقليص التعاون في بعض المجالات ومنع استخدام قاعدة "سيغونيلا" لنقل أسلحة أمريكية إلى الشرق الأوسط، إضافة إلى تصاعد الانتقادات داخل الحكومة الإيطالية.

كما يطرح القرار تحديا أمام شرعية التعاون الأوروبي مع إسرائيل، إذ قد يدفع دولا أخرى إلى إعادة النظر في صفقاتها العسكرية استنادا إلى اعتبارات القانون الدولي، فضلا عن الرسائل السياسية المرتبطة باستهداف قافلة حفظ السلام الإيطالية في لبنان، وهو ما قد يشجع دولا أخرى على اتخاذ مواقف مشابهة.

هل تتسع رقعة "الدومينو"؟

يأتي القرار الإيطالي ضمن موجة أوروبية متصاعدة من القيود على تصدير السلاح إلى إسرائيل. فقد أقر البرلمان الإسباني قانونا يفرض حظرا على الأسلحة من وإلى إسرائيل، فيما علقت بريطانيا عددا من رخص التصدير، ومنعت بلجيكا عبور شحنات عسكرية عبر موانئها.

وفي هولندا، تم وقف الصادرات المباشرة مع استمرار بعض المكونات المرتبطة ببرنامج طائرات "إف-35"، بينما اتخذت سلوفينيا وأيرلندا خطوات مبكرة في هذا الاتجاه. أما ألمانيا، فرغم استمرار كونها من أكبر الموردين لإسرائيل، فقد صدرت عنها تصريحات تنتقد السياسات الإسرائيلية، مع تسجيل تجميد فعلي لبعض شحنات السلاح، وسط توازن حساس بين الإرث التاريخي والاعتبارات الأمنية.

وفي المحصلة، فإن قرار روما لا يسحب السلاح من يد إسرائيل بشكل مباشر، لكنه يضعف الإطار السياسي والقانوني الذي يشرعن هذا التعاون داخل أوروبا، ويفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والقيود على صفقات التسليح المستقبلية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى