حرية الصحافة لا تعني الإساءة .. والقضاء ليس "تكميمًا للأفواه"
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.يثار بين الحين والآخر جدل حول لجوء بعض المسؤولين أو الوزراء إلى القضاء لمقاضاة أشخاص أو جهات إعلامية بسبب ما يُنشر بحقهم من منشورات تتضمن تارة "ذمًا وقدحًا أو تشهيرًا"، وتارة أخرى أخبارًا "غير دقيقة" أو معلومات لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
وفي مثل هذه الحالات، يُسارع البعض إلى تفسير هذه الخطوات على أنها تضييق على الحريات أو محاولة لتكميم الأفواه، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن حرية الرأي والتعبير، كما حرية الصحافة، هي حقوق دستورية يكفلها القانون، لكنها في الوقت ذاته ليست حقوقًا مطلقة تبيح الإساءة إلى الآخرين أو النيل من كرامتهم وسمعتهم.
فحرية الصحافة لم تكن يومًا مرادفًا للتشهير أو التجريح الشخصي، كما أن النقد الموضوعي يختلف تمامًا عن الاتهامات غير المثبتة أو العبارات المسيئة التي تستهدف الأشخاص بدلًا من مناقشة الأداء والسياسات، ومن هنا، فإن الحديث عن وجود حالة من القمع أو التضييق لمجرد أن مسؤولًا أو وزيرًا لجأ إلى القضاء للدفاع عن سمعته، يفتقر إلى الدقة والموضوعية.
وفي دولة المؤسسات والقانون، يبقى القضاء هو الجهة المختصة للفصل في النزاعات وتحديد ما إذا كان ما نُشر يندرج ضمن حرية التعبير المشروعة أو يتجاوزها إلى الإساءة والتشهير! وبالتالي فإن الاحتكام إلى القضاء لا يُعد إجراءً استثنائيًا أو استهدافًا للصحفيين، بل هو حق "مكفول" لكل مواطن يشعر بأن حقوقه المعنوية أو الشخصية تعرضت للضرر.
والوزير - مهما كان موقعه الرسمي - يبقى مواطنًا له حقوقه الدستورية، وله أسرة وعائلة وسمعة شخصية من حقه الدفاع عنها، كما أن تولي المسؤولية العامة لا يعني التنازل عن الحق في اللجوء إلى القضاء عندما يتعرض للإساءة أو التشهير أو الاتهامات التي تفتقر إلى الأدلة.
ومن المهم التأكيد على أن حكومة د. جعفر حسان لم تُعرف بسياسات تكميم الأفواه أو مصادرة الرأي، بل إن المشهد الإعلامي الأردني لا يزال يشهد يوميًا مساحات واسعة من النقد والتحليل والمساءلة لمختلف القرارات والسياسات الحكومية، لكن الفارق الجوهري يكمن بين النقد المسؤول الذي يخدم المصلحة العامة، وبين التجاوزات التي تستهدف الأشخاص وتخرج عن إطار اخلاقيات المهنة.
كما أن صفة الصحفي أو الإعلامي لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة القانونية إذا تجاوز حدود المهنة وأخلاقياتها، فالصحافة رسالة ومسؤولية قبل أن تكون منصة للنشر، وأحد أهم المبادئ التي نشأ عليها العاملون في المهنة هو احترام الحقائق والابتعاد عن الإساءة الشخصية والالتزام بالموضوعية والإنصاف.
بالمحصلة .. الدفاع عن حرية الصحافة يجب أن يسير بالتوازي مع الدفاع عن سيادة القانون واحترام كرامة الأفراد، لأن الحريات تترسخ عندما تُمارس بمسؤولية، لا عندما تتحول إلى مبرر للتجريح والإساءة، وفي نهاية المطاف، يبقى النقد حقًا مشروعًا، لكن احترام الآخرين وعدم المساس بسمعتهم حق لا يقل أهمية عن أي حق آخر.
الرجاء الانتظار ...