رغم التعليم والفرص .. لماذا يشعر شباب اليوم بالضياع ؟ .. الصباغ يوضح لـ"التاج"

التاج الإخباري -

حنين زبيده ْ

الصباغ لـ"التاج": الشباب يعيشون في عصر بلا ثوابت

قال المستشار في التنمية والتدريب طه الصباغ إن شعور الضياع الذي يلازم شريحة واسعة من الشباب اليوم لا يرتبط بنقص القدرات أو الفرص بقدر ما يرتبط بطبيعة العصر المتغير، الذي وصفه بعصر "السيولة" حيث لم يعد شيء ثابتاً كما كان في السابق.

وأوضح الصباغ في حديث له مع "التاج الإخباري" أن الشباب اليوم يواجهون تحديات نفسية وهيكلية لم تكن حاضرة لدى الأجيال السابقة، مشيراً إلى أن أولى هذه التحديات تتمثل في تخمة الخيارات، فبينما كانت المسارات في الماضي واضحة ومحدودة، مثل الدراسة ثم الوظيفة والاستقرار والزواج، أصبح أمام الشباب اليوم آلاف المسارات المهنية ونماذج النجاح المختلفة، ما يخلق حالة من شلل القرار والخوف الدائم من اختيار المسار الخاطئ.

وأضاف أن المقارنة الرقمية المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في تعزيز هذا الشعور، إذ يقارن الشاب كواليس حياته المتعثرة بما يراه من أفضل لحظات الآخرين، ما يولد إحساساً زائفاً بالتأخر عن الركب.

وأشار الصباغ في حديثه لـ"التاج"، إلى أن تفتت المعنى يمثل عاملاً آخر في شعور الشباب بالضياع، موضحاً أن الروابط الاجتماعية والدينية والقبلية في الماضي كانت تمنح الفرد شعوراً جاهزاً بالانتماء والهوية، بينما يعيش الشباب اليوم حالة من الفردانية المفرطة، ما يضع على عاتقهم مهمة البحث عن هويتهم ومعناهم الخاص من الصفر، وهو ما يشكل حملاً ثقيلاً.

وفيما يتعلق بكون جيل اليوم أكثر تعليماً، قال الصباغ إن التعليم الأكاديمي لم يعد يشكل درعاً كافياً كما كان في السابق، لعدة أسباب: أولها الفجوة المتزايدة بين النظرية وسوق العمل، حيث تتطور المناهج التعليمية ببطء في وقت يتغير فيه سوق العمل بسرعة كبيرة، خاصة مع تسارع استخدامات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل كثيراً من الشباب يشعرون بأن شهاداتهم أصبحت أقرب إلى "شهادات منتهية الصلاحية".

كما لفت إلى ما وصفه بالتضخم الأكاديمي، موضحاً أن الشهادة الجامعية كانت في الماضي تضمن مكانة اجتماعية ووظيفة مرموقة، بينما أصبحت اليوم الحد الأدنى من المتطلبات، ما أفقدها قيمتها التمييزية، وجعل الشاب متعلماً دون أن يكون متمكناً مادياً أو مهنياً.

واوضح أن التعليم العالي يرفع أيضاً مستوى الوعي لدى الشباب تجاه قضايا العالم الكبرى، مثل البيئة والسياسة والاقتصاد، ما يجعلهم أكثر إدراكاً للأزمات العالمية، وأقل تفاؤلاً بالمستقبل مقارنة بأجيال سابقة كان تركيزها منصباً على محيطها المباشر.

وفيما يتعلق بثقافة تطوير الذات، اعتبر أنها تحولت لدى كثير من الشباب من وسيلة للتحسن إلى عبء نفسي، نتيجة ما وصفه بهوس الكمال.

وبين أن ما يعرف بفخ الإنتاجية السامة يفرض ضغطاً دائماً على الشباب لاستثمار كل دقيقة من وقتهم، فإذا لم يكن الشاب يتعلم لغة جديدة أو يمارس الرياضة أو يقرأ كتاباً، يشعر وكأنه يضيع حياته، وهو ما يحول وقت الفراغ إلى مصدر قلق بدلاً من أن يكون مساحة للراحة.

كما أشار إلى أن بعض فلسفات تطوير الذات الحالية تميل إلى تحميل الفرد كامل المسؤولية عن الفشل، عبر الإيحاء بأن عدم النجاح سببه نقص الجهد الشخصي فقط، متجاهلة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وهو ما قد يقود في النهاية إلى الاحتراق النفسي.

وأضاف أن انتشار تجارب التنمية البشرية السطحية، وكثرة النصائح الجاهزة والمثالية، تجعل كثيراً من الشباب يشعرون بالعجز، لأن الواقع أكثر تعقيداً من اختزاله في نصائح بسيطة مثل خمس خطوات للثراء أو طرق سريعة للسعادة.

وختم الصباغ لـ"التاج"، إن شعور الضياع لدى الشباب اليوم ليس نتيجة ضعف في القدرات، بل نتيجة العيش في عصر سريع التغير لا يوفر الثبات الذي كانت تعرفه الأجيال السابقة




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى