شياطين التفاصيل .. أين يقع لبنان في خارطة الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
التاج الإخباري -
بين عشاء قصر فرساي الباريسي الذي وقع فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وما يرجح أنه مكاتب الرئاسة في طهران حيث وضع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان توقيعه بعد توقيع ترمب، ولد الاتفاق الأمريكي الإيراني المفاجئ ليزلزل الحسابات الإقليمية.ومع تدفق التسريبات حول بنود "مذكرة التفاهم" التاريخية لإنهاء الحرب -من فتح مضيق هرمز إلى حزم إعادة الإعمار- لا تبدو الساحة اللبنانية بعيدة عن هذه المقاربات، فلبنان ليس مجرد بند فرعي في هذه الصفقة، بل هو الجبهة الأكثر اشتعالا وغموضا على مدار الأسابيع الأخيرة.
من هنا، يفتح هذا التقرير الملف المعقد: أين يقع لبنان في خارطة توزيع الأرباح والخسائر بين واشنطن وطهران؟
يتضمن الاتفاق، الذي قرأه مسؤول أمريكي كبير على الصحفيين -وفقا لوكالة رويترز- 14 بندا تفاهمياً واسعاً بين الجانبين لكنه يرجئ البت في عدد من القضايا الأكثر تعقيداً، مثل البرنامج النووي الإيراني، لحين التوصل إلى اتفاق نهائي. ويفسح هذا الاتفاق الطريق أمام فترة تفاوض أوسع مدتها 60 يوماً.
وفي البند الأول من الوثيقة -التي نشرتها رويترز- ذكر النص ما يلي "تعلن الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب حلفائهما في الحرب الحالية، بمجرد توقيع مذكرة التفاهم، إنهاء فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهدان من الآن فصاعداً بعدم شن أي عمل عدائي ضد بعضهما البعض والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، والأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة".
ويتطابق ذلك مع ما نشرته عدة وكالات مثل وكالة أسوشيتد برس ووكالة الأنباء الإيرانية في بنده الأول ما يلي: "الوقف الفوري والدائم لجميع العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع الالتزام بعدم شن أي حرب أو عملية عسكرية مستقبلاً، وعدم تهديد بعضهما أو استخدامه القوة ضد الآخر".
وبينما يختلف عدد المرات التي ذكر فيها اسم "لبنان" فإن النسخ جميعها تتطابق من ناحية وقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان.
ورغم أن النصوص المسربة استخدمت مصطلح "حلفائهم" بشكل متكرر، فإنها لم تشر صراحة إلى إسرائيل أو حزب الله. وفي حين قادت الولايات المتحدة المسار الدبلوماسي ووقّعت الاتفاق مع إيران، كما خاضت المواجهة العسكرية على أكثر من جبهة بالتوازي مع إسرائيل، فإن الأخيرة لم تكن طرفا موقعا على هذه المذكرة.
ويرى مراقبون أن المخاوف تظهر هنا في أن عدم وجود توقيع إسرائيلي صريح يعني أن تل أبيب قد لا تعتبر نفسها ملزمة حرفيا بكل ما تعهدت به واشنطن.
وشكل البند المتعلق بوقف القتال على الجبهات كافة، وتحديداً الجبهة اللبنانية، صدمة للنخب العسكرية الإسرائيلية التي رآى بعضها في الاتفاق صك اعتراف رسمي بالهيمنة الإيرانية على بيروت.
وفي مقابلة أُجريت عبر إذاعة "103 إف إم"، شنّ اللواء احتياط إليعازر ماروم (تشيني)، القائد السابق للبحرية الإسرائيلية، هجوما لاذعا على التوجهات الأمريكية، قائلا: "إن الرئيس ترمب، بتوقيعه (..) يؤكد احتلال إيران للبنان. هل تدركون ذلك؟ إنه يوقع الآن اتفاقاً مع الإيرانيين بشأن لبنان. يجب أن يشعر الرئيس اللبناني بالإهانة من هذا، وعلى جميع قادة الشرق الأوسط الذين يستمعون إليه (..) أن يدركوا أن هذا اتفاق سيئ".
حتى وإن حاول الطرفان الموقعان على الاتفاق -تبديد المخاوف- في المسودة المسربة من خلال البند 14 الذي يشترط تثبيت الاتفاق النهائي عبر قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ويذهب محللون إلى أن تحويل الاتفاق إلى قرار ملزم من جهة أممية يضفي حصانة دولية بوجه أي محاولة انقلاب سياسي قادم من الجميع.
لكن بالنسبة لبيروت، فإن العبرة في الشياطين الكامنة في التفاصيل، ومع إعلان الاتفاق تعالت الأصوات المتسائلة، هل هذا كله كافٍ للجم الرغبة الإسرائيلية في التصعيد وكبح جماح المفاجآت الميدانية؟ أم أن جبهة لبنان ستظل، كما كانت دائماً، الساحة التي تُختبر فيها قوة القرارات الدولية أو عجزها؟
وسرعان ما جاء الرد من الميدان، إذ قتل شخص وأصيب آخر، اليوم الخميس، بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة عند مستديرة بلدتي كفر تبنيت – أرنون في قضاء النبطية جنوبي لبنان، بعد ساعات قليلة من التوقيع.
رافق ذلك رسالة بعثها الجيش الإسرائيلي إلى القيادة السياسية تتعلق بالعمل العسكري في لبنان، طلب فيها التمسك بحرية شن هجمات في جميع أنحاء لبنان والاحتفاظ بمنطقة عازلة ونزع سلاح "حزب الله"، كما أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أعلن مؤخرا أن الجيش سيواصل احتلال ما سماها "المنطقة الأمنية العازلة" جنوبي لبنان.
واعتبرت رسالة الجيش الإسرائيلي أن الوضع في جنوب لبنان بالنسبة للجيش الإسرائيلي "أصبح رمادياً ومعقداً جداً" منذ إعلان ترمب الأربعاء توقيع الاتفاق مع إيران، في المقابل، وجاء ذلك بالتوازي مع إقراره -اليوم الخميس- بمقتل أحد عسكرييه وإصابة 7 آخرين بينهم نائب قائد فرقة، بانفجار عبوة ناسفة جنوبي لبنان، أمس الأربعاء.
وقال الجيش في بيان، إن "الرقيب أول ألكسندر فيلين (29 عاما من مدينة حيفا قُتل في الانفجار، فيما أصيب 7 آخرون، بينهم نائب قائد الفرقة 36 ومجندة"، مؤكدا أن 3 من المصابين وصفت حالتهم بالمتوسطة، بينهم نائب قائد الفرقة والمجندة، فيما أصيب 4 آخرون بجروح طفيفة.
حتى على الصعيد السياسي، تتعنت الحكومة الإسرائيلية -ولا سيما من وزراء اليمين المتطرف– بموقفها الرافض لأي اتفاق مع إيران بوقف العمليات في لبنان أو تقديم تنازلات أمنية، وتؤكد التمسك باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبي لبنان ومواصلة العمليات العسكرية.
وقد عارض المسؤولون الإسرائيليون ربط المسارين الإيراني واللبناني، بحجة أن القيام بذلك قد يحمي حزب الله بشكل غير مباشر من الضغوط المستقبلية، وفقا لصحيفة يديعوت أحرنوت.
وبرز خطاب يميني يدعو إلى التمرد العسكري والسياسي على إملاءات البيت الأبيض، وكتبت المراسلة السياسية لصحيفة "إسرائيل هيوم" ، شيريت أفيتان كوهين، مقالا دعت فيه نتنياهو إلى إشهار سلاح الرفض، مؤكدة وجود إجماع داخلي عابر للأحزاب: "إن آخر إجماع متبقٍ هنا هو أنه… ينبغي اتخاذ القرارات المتعلقة بالقضايا الأمنية في المناطق المجاورة لإسرائيل في القدس، وليس في واشنطن. لا يمكن أن يكون سكان الشمال كبش فداء على مذبح السلام بين الولايات المتحدة وإيران. ونتنياهو، الذي لطالما أكد على ضرورة معرفة كيفية قول لا، عليه أن يستخدم هذه القدرة الآن تحديداً".
ولم يتوقف هذا التعنت السياسي والعسكري الإسرائيلي عند حدود البيانات الداخلية والرسائل العسكرية، إذ كشف مسؤولان إسرائيليان لرويترز اليوم الخميس أن إسرائيل تجري مفاوضات "عنيدة" مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن مساعٍ لمواصلة نشر قواتها في جنوب لبنان.
وجاءت تصريحات هذين المسؤولين، اللذين تحدثا لرويترز شريطة عدم نشر اسميهما وأحدهما رفيع المستوى ومقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد يوم واحد فقط من توقيع الولايات المتحدة وإيران الاتفاق المؤقت الذي يدعو إلى ضمان "وحدة أراضي لبنان وسيادته".
هذا التحرك الدبلوماسي العنيف يعكس تمسك تل أبيب بالواقع الميداني الجديد، إذ كانت إسرائيل قد وسعت توغلها في جنوب لبنان وشنت حملة جوية وبرية مدمرة منذ الثاني من مارس/آذار، تقول إن الهدف منها هو القضاء على حزب الله.
وأمام هذا الإصرار الإسرائيلي، ذكر مسؤول إسرائيلي ثان لرويترز أن نتيجة هذه المحادثات الجارية مع واشنطن ستتوقف بالكامل على موقف الإدارة الأمريكية، وتحديداً ما إذا كان الرئيس ترمب سيصر على موقفه ويهدد إسرائيل بعواقب وخيمة إذا لم تلتزم ببنود الاتفاق المؤقت المبرم مع إيران، في وقت لم يرد فيه مكتب نتنياهو بعد على طلب للتعليق.
وتجاوزت الانتقادات الإسرائيلية مربع اللوم السياسي لتصل إلى الاعتراف بتراجع الوزن الإستراتيجي لإسرائيل إقليميا، وفي قراءة تحليلية نشرها لـ "القناة 12" العبرية، أكد المسؤول الكبير السابق في المؤسسة الأمنية والخبير في البرنامج النووي الإيراني، أفنير فيلان، أن أمريكا اختارت تقليل خسائرها والتخلي عن حلفائها، معتبرا أن النتيجة المباشرة للاتفاق هي إعادة تموضع جيوسياسي خطير.
وفي واحدة من أقسى القراءات النفسية والسياسية لسلوك القيادة الإسرائيلية المأزومة، شبّه الكاتب والمحلل أوري مسغاف في صحيفة "هآرتس" ، اليوم الخميس، نوبات غضب نتنياهو ضد جنرالاته بـ"أيام هتلر الأخيرة في ملجأ برلين عام 1945″ بعد تحطم مشروع حياته، مطلقا صرخة تحذيرية من عقيدة انتحارية قد تدفع نتنياهو لإحراق الجبهات في لبنان وغزة للهروب من استحقاقاته الداخلية.
وفي إطار المشهد العام، أجمع الإعلام الإسرائيلي على أن اتفاق واشنطن وطهران كان مرعبا لتل أبيب، وأدخلها في مرحلة مختلفة تتمثل في تقييد حرية المناورة في جنوب لبنان مقابل ما وصفته بطوق نجاة مالي وسياسي لحزب الله وبرعاية دولية.
الرجاء الانتظار ...