الرعب المسبق والواقعية السحرية .. كيف قلب "عرس الجن" المألوف رأسًا على عقب؟

التاج الإخباري -

في موسم رمضاني اعتاد على تقديم الدراما الاجتماعية والكوميديا العائلية، جاءت حلقة "عرس الجن" من المسلسل الكويتي "وحوش 2" لتقلب التوقعات وتضع الرعب النفسي في الواجهة. استلهمت الحلقة حكاية شعبية كويتية من التسعينيات، تحكي عن مطربة تُدعى لإحياء زفاف غامض تكتشف لاحقًا أنه "عرس للجن"، ليتم دمج الأسطورة المحلية مع الصناعة البصرية الحديثة، وفق ما نشر موقع الجزيرة نت.

اعتمد المخرج اللبناني سعيد الماروق على ما يسميه النقاد بـ"الرعب المسبق"، حيث يمتلك المشاهد خلفية عن القصة، فتتولد نواة خوف قبل العرض الفعلي. حول المسلسل حدثًا مألوفًا كزفاف إلى بؤرة توتر نفسي، مستفيدًا من أسلوب "الواقعية السحرية المظلمة" الذي يمزج المألوف بالغرائبي.

العمل لم يكتف بتوظيف الفولكلور المحلي سطحياً، بل أعاد صياغة الذاكرة الشعبية بلغة بصرية حديثة تخاطب جيل المنصات الرقمية دون التفريط في خصوصية الحكاية الكويتية. ويستخدم المسلسل أسلوب الرعب النفسي البطيء (Slow Burn) مبتعدًا عن القفزات المفاجئة والصراخ المتكرر، مع الإضاءة الخافتة، الظلال، والفراغات السمعية التي تترك للمشاهد مساحة لتخيل الأسوأ.

الإضاءة والديكور والمكياج والمؤثرات البصرية صيغت بعناية، ليظهر "الجن" كظل يتسلل إلى ملامح البشر، بينما قدمت إلهام علي أداءً استثنائيًا في شخصية المطربة التي تنتقل من الاطمئنان إلى الوقوع في كابوس ماورائي، مستخدمة لغة الجسد ونظرات القلق أكثر من الحوار أو الصراخ. وقد أثنى الجمهور على مواقع التواصل على أدائها، معتبرين أنها حملت عبء الرعب على أكتافها وأعطت العمل مصداقية إنسانية.

على المستوى الثقافي، يعكس العمل تحوّلًا في الذائقة الخليجية تجاه الرعب النفسي المستند إلى البيئة المحلية، ويعكس وعيًا جديدًا يرى في الفن وسيلة للتعبير عن مخاوف الحاضر عبر رموز مألوفة في الذاكرة الشعبية. ويُعد "عرس الجن" علامة فارقة في مسار الدراما الخليجية، إذ يجمع بين الحكاية الشعبية والتقنيات الحديثة، وبين الذاكرة الجمعية والرعب النفسي، محاولًا إيجاد صيغة جديدة مرتبطة بجذورها الثقافية.

في النهاية، يثبت العمل أن الرعب لا يأتي دائمًا من الخارج، بل يتشكل أحيانًا من الداخل بصمت، منتظرًا لحظة الظهور، ليمنح المشاهد تجربة فنية تثير التفكير في مخاوفه العميقة وعلاقته بأماكنه.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى