منذر رياحنة… ما بين “أعوام الظلام” و”الشنفرى”… أداء عالمي وتقمّص للروح

التاج الإخباري -

يُثبت النجم منذر رياحنة مرةً بعد مرة أنه ليس مجرد ممثل يؤدي دورًا، بل فنان يتقمّص الروح ويعيد خلق الشخصية من الداخل قبل أن يمنحها ملامحها الخارجية. بين قسوة الواقع في “أعوام الظلام” وتمرد الصحراء في “الشنفرى أبو الصعاليك”، يقف رياحنة على مسافة واحدة من الإبداع، لكن بأداتين مختلفتين: الأولى تنبض بالألم الإنساني، والثانية تشتعل بحرية الصعلوك وكرامته.
في “أعوام الظلام” قدّم رياحنة شخصية “أبو غضب” بحضور طاغٍ. ملامح وجهه المشدودة، صمته الثقيل، نظرته التي تختزن وجع السنين… كل تفصيل كان مدروسًا ليجعل من الشخصية كائنًا حيًا يمشي أمامنا. لم يعتمد على الانفعال الصاخب بقدر ما راهن على الهدوء الداخلي، على تلك النار الصامتة التي تحرق الروح دون أن تُصدر ضجيجًا. جسّد رجلًا دخل السجن ظلمًا، فصار القيد جزءًا من تكوينه النفسي، حتى باتت القسوة درعًا يحمي هشاشته الإنسانية. أداء عالمي بمعايير الصدق، حيث يختفي الممثل وتبقى الشخصية.
أما في “الشنفرى أبو الصعاليك”، فينتقل رياحنة إلى فضاء مختلف تمامًا؛ فضاء الشعر والسيف والصحراء المفتوحة. هنا لا يكفي أن ترتدي عباءة التاريخ، بل يجب أن تتنفسه. الشنفرى ليس مجرد شخصية تراثية، بل رمز للتمرّد والحرية والكبرياء. ومنذر رياحنة يدرك أن الصعلوك ليس قاطع طريق، بل شاعر ثائر على الظلم الاجتماعي. لذلك نراه يمزج بين القوة الجسدية والعمق الشعري، بين حدّة النظرة وعذوبة الإلقاء، ليقدم شخصية تنتمي إلى زمن مضى لكنها تخاطب حاضرنا.
اللافت في مسيرة رياحنة أنه لا يكرر نفسه. في “أبو غضب” كان الألم داخليًا، مكبوتًا، محاصرًا بالجدران. وفي “الشنفرى” الألم معلن، صارخ، يتحدى القبيلة والسلطة والمجتمع. هذا التنوع يكشف عن ممثل يمتلك أدواته كاملة: الصوت، الجسد، الإحساس، والقدرة على التحوّل. إنه لا يؤدي الدور، بل يعيش فيه حتى يصبح جزءًا من كيانه.
منذر رياحنة اليوم ليس فقط نجمًا عربيًا، بل مشروع فنان عالمي، لأن العالمية لا تُقاس باللغة بل بصدق الأداء. وعندما يستطيع ممثل أن يجعلنا نصدق قسوته في السجن كما نصدق تمرّده في الصحراء، فذلك يعني أنه بلغ مرتبة التقمّص الحقيقي.
بين “أعوام الظلام” و”الشنفرى”، يكتب رياحنة فصلًا جديدًا في مسيرته، عنوانه: فن لا يعرف الحدود… وروح تتقمّص كل زمن.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى