القدس في خطاب الأمير الحسن: صمت الكلمات وصدى الضمير (تحليل)
التاج الإخباري -
خاص ْتتجلى أهمية القدس ليس فقط كموقع جغرافي أو سياسي، بل كمؤشر أخلاقي وإنساني يختبر ضمير العالم وقيمه. وفي زيارته إلى فرنسا، نجح الأمير الحسن بن طلال في تحويل النقاش حول المدينة إلى قراءة عميقة تتجاوز السياسة إلى الأبعاد الأخلاقية والثقافية، مقدمًا القدس كمحور للفكر والمسؤولية المشتركة. يعكس خطابه رؤية متجذرة في تاريخ المدينة وحساسياتها، ويرسم نموذجًا للتعامل مع الأماكن المقدسة بوصفها اختبارًا حيًا للسلام والعدالة، مؤكدًا أن حماية القدس هي في النهاية حماية للكرامة الإنسانية والاستقرار الإقليمي والدولي.
لم تكن زيارة سموّ الأمير الحسن بن طلال إلى فرنسا زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت كرحلة فكرية وأخلاقية حملت القدس في صميمها، ووضعتها في قلب النقاشات الأكاديمية والدبلوماسية والثقافية في باريس. فمن أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، إلى المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وصولًا إلى لقاءات اليونسكو، ظلّ اسم القدس حاضرًا بوصفها اختبارًا حيًا لمعنى السلام، ولمدى التزام العالم بمسؤوليته تجاه المقدّس والإنسان معًا.
لطالما حمل سموّ الأمير الحسن الهمّ العربي والإنساني، ولم يتعامل مع القدس يومًا كقضية سياسية ظرفية، بل كأمانة تاريخية وأخلاقية. وفي كل محطة من محطات زيارته الأخيرة، بدا واضحًا أن القدس ليست تفصيلًا في خطابه، بل محورًا ناظمًا لرؤيته للعالم، ولمفهوم السلام الذي يرفض اختزاله في صفقات، ويصرّ على فهمه بوصفه مسؤولية أخلاقية مستمرة.
في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، استعاد سموّه لحظة مفصلية تعود إلى قرابة عقدين من الزمن، حين ألقى كلمة في هذا الصرح العريق إحياءً لذكرى الرئيس الأميركي رونالد ريغان. يومها، كما اليوم، كانت الأسئلة ذاتها تفرض إلحاحها: ما معنى القيادة؟ وما الشروط الحقيقية لسلامٍ دائم؟ غير أن ما تغيّر هو أن تلك الاستنتاجات، التي بدت آنذاك تأملية، باتت اليوم راهنية على نحوٍ مؤلم، لا سيما حين تُسقَط على القدس.
قدّم الأمير الحسن قراءة عميقة للمدينة، لا باعتبارها رمزًا جامدًا، بل مرآة تكشف تشوّهات السلام المعاصر حين يُفرَّغ من محتواه الأخلاقي.
فالقدس، التي قامت لعقود على توازنٍ هش قائم على أعراف موروثة وضبط نفس مشترك، لم تستمد استقرارها من فرض سلطة حصرية، بل من إدارة متوافق عليها للمقدّس. لم يكن “الوضع القائم” مجرد ترتيب إداري، بل تعبيرًا عن فهمٍ عميق لحساسية المدينة، ولحاجة السلام فيها إلى احترام الإيقاعات الدينية والمسؤوليات التاريخية.
اليوم، يحذّر سموّه، من تفكك هذا التوازن. فالدين يُوظَّف سياسيًا، والأماكن المقدسة تتحول إلى ساحات مواجهة، فيما تجري تحولات عميقة في المدينة بغياب قيود قانونية وأخلاقية كافية، ويطال ذلك مباشرة الوجودين المسيحي والإسلامي، ويهدد الطابع الجوهري للقدس نفسها.
ومن هنا، شدّد الأمير الحسن على مبدأ لطالما شكّل قاعدة غير مكتوبة للاستقرار: المسلمون يصلّون، وغير المسلمين يزورون.
إن تآكل هذا المبدأ ليس تفصيلًا عابرًا، بل مساس مباشر بحرية العبادة، وبالكرامة الإنسانية، وبالاستقرار الإقليمي ،والدولي.
وفي مداخلته في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، عادت القدس لتبرز كنموذج مركّب لـ«مدينة ذات حدود متعددة»، تتداخل فيها الهويات الدينية والقانونية والسياسية. وأوضح سموّه أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقليص الهوية أو محو الانتماء، بل في صون الفضاء المشترك، وتجديد توازن تاريخي قامت عليه المدينة عبر قرون، لا هدمه بمنطق الغلبة.
لم يكتفِ الأمير بتشخيص الأزمة، بل أطلق نداءً فكريًا وأخلاقيًا صريحًا: ما يجري في القدس اليوم ليس نزاعًا محليًا، بل سؤالًا عالميًا عن قدرتنا على إدارة الأماكن المشحونة بالمعنى من دون تحويلها إلى أدوات صراع. إن طريقة التعامل مع القدس أصبحت مقياسًا لصدق الحديث عن القانون الدولي، وعن التعايش، وعن الكرامة الإنسانية.
ومن موقعه كأحد أبرز المفكرين العرب، يربط الأمير الحسن ما يجري في القدس بسياق أوسع: سياق نزع الإنسانية. حين تُختزل الشعوب في أرقام، والمعاناة في إحصاءات، وتُفرّغ الأرواح من قصصها، يصبح انتهاك الحقوق أمرًا اعتياديًا، بل مقبولًا. ولهذا، يؤكد سموّه أن الدفاع عن القدس ليس دفاعًا عن حجر أو حدود، بل دفاع عن الإنسان، عن حقه في العبادة، وفي الكرامة، وفي الوجود من دون إذلال.
وليس هذا الموقف منفصلًا عن انشغاله الدائم بالمشرق. فالمشرق، في فكر الأمير ، ليس جغرافيا مأزومة، بل فضاء حضاري مشترك، تشكّل عبر قرون من التفاعل الثقافي والديني والإنساني. ومن هنا تأتي دعوته المتواصلة إلى النهوض بالشعوب، لا إدارتها، وإلى رؤيةٍ إقليمية ترى في شعوب المنطقة شركاء في المصير، لا أدوات في صراعات النفوذ.
وفي زمنٍ تتراجع فيه التعددية، ويُدار العالم بمنطق الصفقات، يصرّ الأمير الحسن على أن السلام الحقيقي مسار أخلاقي طويل، لا اتفاقًا يُوقّع. وأن القدس، بما تحمله من معنى روحي وتاريخي، هي الاختبار الأصدق لقدرتنا على إدارة الاختلاف من دون عنف، والهوية من دون إقصاء، والإيمان من دون توظيف سياسي.
ليست كلمات الأمير عن القدس خطابات موسمية، بل شهادة تاريخية، وموقف أخلاقي، واستمرار لدور هاشمي يرى في حماية المقدّس حمايةً للإنسان، وفي النهوض بالشعوب شرطًا للاستقرار، وفي الكرامة الإنسانية حجر الأساس لأي سلام قابل للحياة.
وفي عالمٍ يتجه نحو التطبيع مع القسوة، يظلّ صوت الأمير تذكيرًا بأن القدس ليست مجرد مدينة، بل بوصلة. وأن ضياعها الأخلاقي ليس خسارة محلية، بل فشل إنساني شامل.
حين يتكلم الأمير الحسن عن القدس، لا يرفع صوته… لكنه يوقظ الضمير.
الرجاء الانتظار ...