استشارية أسرية لـ"التاج": ضغوط المعيشة تحول البيت إلى ساحة قلق مستمر
التاج الإخباري -
لينا الناصر ْالبطوش لـ"التاج" : القلق المالي يعيد رسم الأدوار الأسرية ويترك آثارًا نفسية طويلة الأمد
قالت الاستشارية النفسية والأسرية والتربوية حنين البطوش، إن الضغوط المعيشية لم تعد مجرد تحديات اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى عبء نفسي متزايد ينعكس على استقرار الأفراد والعلاقات داخل الأسرة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واستمرار حالة عدم الاستقرار الوظيفي.
وبينت البطوش خلال حديثها لـ"التاج الإخباري"، أن الضغط المعيشي يبدأ عادة كتحدٍ اقتصادي مؤقت يتطلب إعادة جدولة المصاريف وتنظيم الأولويات، لكنه يتحول إلى عبء نفسي مزمن عندما يفقد الفرد القدرة على التنبؤ بالمستقبل، ما ينقل العقل من التفكير في الحلول إلى حالة "البقاء".
وأوضحت أن الأفراد يمرون بمراحل تبدأ بالمقاومة والإنكار للحفاظ على نمط الحياة ذاته، ثم مرحلة الإجهاد النفسي والجسدي التي تظهر فيها أعراض مثل الأرق والصداع والتوتر المستمر، تليها مرحلة الهشاشة العاطفية حيث يصبح التوتر اللغة السائدة داخل الأسرة، وصولًا إلى مرحلة التكيف السلبي أو الانكفاء، حين يتحول الضغط من ظرف خارجي إلى جزء من الهوية النفسية.
وأشارت البطوش إلى أن القلق المالي يُعد اليوم أحد أقوى محفزات الاضطرابات النفسية مثل القلق العام والاكتئاب، لكونه يمس شعور الأمان الأساسي، لافتةً إلى أن عدم الاستقرار الوظيفي وقلة الدخل يعيدان تشكيل ديناميكيات الأسرة ويؤديان إلى ارتباك في الأدوار والمسؤوليات، إذ قد يشعر المعيل التقليدي بتآكل دوره أو فقدان قيمته، ما ينعكس انسحابًا عاطفيًا أو حدة في التعامل، فيما تضطر الأسرة أحيانًا إلى تبدل مفاجئ وغير مدروس في الأدوار، مثل خروج المراهقين للعمل أو تحميل الأم أعباء إضافية، ما يزيد من حدة الصراعات ويضعف الإحساس بالاستقرار.
وأضافت أن الضغوط المستمرة تترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة الأمد، خاصة على الأطفال والشباب، موضحة أن الأطفال يمتصون قلق الوالدين دون فهم أسبابه، ما يزعزع شعورهم بالأمان ويولد لديهم شخصيات قلقة أو حذرة بشكل مفرط، فيما يتعرض الشباب لتراجع في تقدير الذات وتقلص في تطلعاتهم المستقبلية، لتتحول الطموحات من مساحات للإبداع وتحقيق الذات إلى مجرد محاولة للنجاة اليومية.
وأوضحت البطوش لـ"التاج"، أن الضغط الاقتصادي ينعكس على أنماط التواصل داخل الأسرة، حيث يتحول الحوار من تواصل داعم إلى نقاشات مشحونة حول الالتزامات المالية، ويسود الصمت أو الانفجارات الكلامية لأسباب بسيطة، مؤكدة أن التكيف يصبح غير صحي عندما يتحول هذا النمط إلى حالة يومية، أو عندما يلجأ الأفراد إلى العزلة أو تبادل اللوم أو سلوكيات هروبية، وهو ما يستدعي تدخلًا مهنيًا أو دعمًا نفسيًا متخصصًا.
وختمت بالتأكيد على أن التوعية النفسية والدعم المجتمعي يشكلان ضرورة في ظل محدودية الحلول الاقتصادية، موضحة أن تعزيز المرونة النفسية داخل الأسرة، وفصل قيمة الإنسان عن وضعه المالي، وبناء شبكات دعم اجتماعي، يسهم في الحفاظ على التماسك الأسري، حتى في ظل استمرار الضغوط المعيشية.
الرجاء الانتظار ...