في اليوم العالمي للتقليل من هدر الطاقة .. كيف يهدر الأردنيون الطاقة؟ ومن يدفع الثمن؟
التاج الإخباري -
هدى الزعاترةيحلّ اليوم العالمي للتقليل من هدر الطاقة في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بارتفاع الطلب على الكهرباء، وارتفاع كلف الطاقة، وتأثيرها المباشر على الاقتصاد والبيئة، وسط تحذيرات دولية من أن استمرار أنماط الاستهلاك الحالية سيقود إلى أزمات طاقة أكثر تعقيدًا في المستقبل.
ويهدف هذا اليوم إلى تسليط الضوء على أهمية ترشيد استهلاك الطاقة، والانتقال من التعامل مع الطاقة كأمرٍ مسلّم به إلى موردٍ محدود يتطلب إدارة واعية ومسؤولة.
الأردن في قلب التحدي
في الأردن، تُعدّ الطاقة من أكثر القطاعات حساسية، نظرًا لاعتماد المملكة على الاستيراد لتلبية الجزء الأكبر من احتياجاتها.
وتشير بيانات رسمية إلى أن قطاعي المنازل والخدمات يشكلان نسبة كبيرة من استهلاك الكهرباء، في وقت تؤكد فيه دراسات أن نسبة معتبرة من هذا الاستهلاك تُصنّف كهدر يمكن تقليله دون التأثير على نمط الحياة.
وفي هذا السياق، حذّرت خبيرة السياسات البيئية والمناخية، الدكتورة زينة حمدان، في حديثها لـ "التاج الإخباري" ، من أن هدر الطاقة في الأردن ينعكس بشكل مباشر على البيئة وجودة الهواء، نتيجة اعتماد المنظومة الوطنية بشكل كبير على الوقود الأحفوري المستورد، مشيرة إلى أن الاستيراد يشكل أكثر من ثلاثة أرباع احتياجات الطاقة الأولية في السنوات الأخيرة، فيما تجاوز في سنوات سابقة 90%، ما يجعل أي زيادة في الاستهلاك أو الهدر عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا مزدوجًا.
أين نهدر الطاقة؟
لا يقتصر هدر الطاقة على المصانع أو المؤسسات الكبرى، بل يبدأ من التفاصيل اليومية داخل المنازل، مثل:
ترك الأجهزة الكهربائية تعمل دون استخدام
الاعتماد على أجهزة قديمة ذات كفاءة منخفضة
سوء استخدام أنظمة التدفئة والتكييف
الإضاءة غير الموفّرة للطاقة
كما يُسجّل هدر ملحوظ في بعض المباني الحكومية والتجارية نتيجة ضعف أنظمة الرقابة أو غياب ثقافة الترشيد.
يشير الباحث والمختص في شؤون النفط والطاقة الدكتور عامر الشوبكي، في حديثه لـ "التاج"، إلى أن أكبر مصادر هدر الطاقة لا تأتي من جهاز واحد فقط، بل من سلوكيات صغيرة متراكمة في الحياة اليومية، مثل تشغيل سخانات المياه لساعات طويلة دون حاجة فعلية، وترك الإضاءة والأجهزة الإلكترونية تعمل دون استخدام، وضبط المكيفات على درجات غير منطقية سواء في الصيف أو الشتاء، وتشغيل أجهزة كهربائية قوية في الوقت نفسه دون إدارة الأحمال.
الأثر الاقتصادي والبيئي لهدر الطاقة
يحمل هدر الطاقة كلفة مزدوجة؛ إذ ينعكس اقتصاديًا على فاتورة المواطن الشهرية، ويزيد العبء على خزينة الدولة، فيما يساهم بيئيًا في زيادة الانبعاثات الكربونية، وارتفاع معدلات التلوث، ما ينعكس سلبًا على الصحة العامة.
وتحذّر تقارير دولية من أن عدم التعامل الجاد مع ملف الهدر سيقوّض جهود الدول في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
من جهتها قالت حمدان إن قطاع الطاقة يعد المصدر الأكبر لانبعاثات غازات الدفيئة في الأردن، إذ يسهم بحوالي 70% من إجمالي الانبعاثات الوطنية، بينما يشكل توليد الكهرباء وحده نحو 40% منها، مضيفة أن كل كيلوواط ساعة كهرباء يتم هدره ينتج عنه في المتوسط أكثر من نصف كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى ملوثات هوائية تؤثر على جودة الهواء في المدن، وترتبط بزيادة أمراض الجهاز التنفسي والقلب، ما يرفع الكلفة الصحية والاجتماعية على الدولة والمواطن.
وأكدت أن العلاقة بين ترشيد استهلاك الطاقة والحد من التغير المناخي محلية واضحة، مشيرة إلى أن تقليل الطلب على الطاقة يعني خفض كمية الوقود المحروق في محطات التوليد ووسائل النقل، وبالتالي تقليل الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري،
وأضافت أن أهمية الترشيد تتضاعف في الأردن لأنه يخفف الاعتماد على الطاقة المستوردة ويقلل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية.
و أكد الشوبكي بدوره أن سوء العزل في الأبواب والنوافذ والجدران، وفتح النوافذ أثناء تشغيل التكييف، يرفع الاستهلاك دون أن يدرك المواطن ذلك مباشرة، لكنه يظهر بوضوح في الفاتورة الشهرية، وأن الأجهزة القديمة مثل المكيفات والثلاجات والسخانات تستخدم 30 إلى 50٪ أكثر من الأجهزة الحديثة، وسوء إدارتها، مثل تشغيل المكيف على مدار اليوم أو ضبطه على درجات قصوى، يضاعف الاستهلاك بشكل ملحوظ على الفاتورة.
ماذا تفعل الحكومة؟
أطلقت الحكومة الأردنية خلال السنوات الماضية عدة برامج تهدف إلى تحسين كفاءة الطاقة، شملت دعم السخانات الشمسية، وتشجيع الطاقة المتجددة، وإقرار تشريعات خاصة بكفاءة الأبنية والأجهزة الكهربائية.
دور المواطن: حلول بسيطة بتأثير كبير
أكدت حمدان أن وعي المواطن وسلوكه اليومي يلعب دورًا محوريًا في تقليل الأثر البيئي لهدر الطاقة، خاصة أن القطاع السكني يستهلك ما يقارب نصف الكهرباء المنتجة في الأردن.
وأوضحت أن ما بين 15% و25% من استهلاك الطاقة في المنازل يمكن خفضه عبر تغيير أنماط الاستخدام، مثل ضبط درجات التكييف، وإطفاء الأجهزة غير المستخدمة، وتحسين العزل، واستخدام الإضاءة الموفرة، دون الحاجة إلى استثمارات مالية كبيرة.
ويؤكد مختصون أن تقليل هدر الطاقة لا يحتاج إلى تغييرات جذرية، بل إلى سلوكيات يومية بسيطة، مثل:
إطفاء الأجهزة غير المستخدمة
استخدام المصابيح الموفّرة للطاقة
ضبط درجات التكييف والتدفئة
صيانة الأجهزة الكهربائية دوريًا
ويضيف الشوبكي أن أبسط الإجراءات لتقليل الهدر تشمل ضبط المكيف على درجات معتدلة، تقليل ساعات تشغيل سخانات المياه وعدم تشغيلها دون حاجة، تشغيل الأجهزة الثقيلة بشكل مدروس وليس عشوائي، والاستفادة من الإضاءة الطبيعية، وعزل المنازل جيدًا.
ويشير إلى أن هذه الإجراءات قادرة على خفض الفاتورة بشكل ملموس، وأن التقليل من استهلاك الطاقة لا يمكن أن يتحقق في يوم واحد، بل يحتاج إلى استمرارية الرسالة وربطها بالحياة اليومية.
مخاطر استمرار الهدر
حذّرت حمدان من أن استمرار هدر الطاقة دون إجراءات أكثر صرامة يحمل مخاطر بيئية واقتصادية متزايدة، حيث يعني بيئيًا استمرار ارتفاع الانبعاثات من القطاع الأكثر إسهامًا فيها، ما يؤدي إلى تفاقم آثار التغير المناخي مثل موجات الحر الأطول وزيادة الطلب على التبريد. أما اقتصاديًا، فسيظل الأردن عرضة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، مع ارتفاع كلف التوليد والضغط على المالية العامة وارتفاع فواتير المواطنين.
وأكدت أن غياب برامج وطنية واضحة لترشيد وكفاءة الطاقة، مرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس مثل كمية الطاقة الموفرة والانبعاثات التي تم تجنبها، سيحد من قدرة الأردن على تحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي المتعلقة بالنمو المستدام وتحسين نوعية الحياة.
وأشارت حمدان إلى أن حتى خفض بسيط في الطلب على الكهرباء بنسبة 1% يمكن أن يؤدي إلى تقليل آلاف الأطنان من الانبعاثات سنويًا، وتوفير ملايين الدنانير من كلفة التوليد والاستيراد، ما يجعل الترشيد أحد أسرع وأقل أدوات العمل المناخي كلفة وأكثرها جدوى اقتصاديًا.
كما لفتت إلى أن ربط برامج الترشيد بحوافز واضحة يمكن أن يحقق وفورات ملموسة في استهلاك الطاقة، وخفض عشرات الآلاف من أطنان الانبعاثات، ما يترجم وعي المواطن إلى مردود اقتصادي وبيئي حقيقي يتماشى مع أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
من يوم عالمي إلى التزام يومي
لا يُفترض أن يبقى اليوم العالمي للتقليل من هدر الطاقة مناسبة عابرة، بل محطة لإعادة التفكير بعلاقتنا مع الطاقة، وتحويل الوعي إلى ممارسة يومية، تبدأ من البيت وتمتد إلى الشارع والمؤسسة، وصولًا إلى السياسات الوطنية الشاملة.
وأختتم الشوبكي أن دمج مفاهيم الطاقة في التعليم والإعلام وخطاب شركات الكهرباء، وربط الترشيد بمصلحة المواطن، يجعل السلوك جزءًا من الثقافة المجتمعية، ويحول الترشيد إلى ممارسة يومية دون شعور المواطن بأنه مجرد شعار بيئي.
الرجاء الانتظار ...