انتصار قد يشعل الحرب .. هل أخطأت إيران في الرهان على هزيمة ترامب؟

التاج الإخباري -

تحوّل الرهان الإيراني على هزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي إلى واقع سياسي بعد فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ، لكن هذا المكسب الذي تحتفي به طهران يضعها أمام مخاطر جديدة، أبرزها احتمال لجوء ترامب إلى تصعيد عسكري ضد إيران خلال الشهرين المقبلين، لتعويض خسارته الانتخابية، وفرض وقائع يصعب على الكونغرس الجديد تغييرها.

ويحذّر الباحث في الشؤون الإستراتيجية والإيرانية الدكتور فراس إلياس من أن إيران، رغم تحقيقها انتصاراً سياسياً ومعنوياً على ترامب، تواجه موقفاً إستراتيجياً بالغ الصعوبة، لأن الديمقراطيين قد يختلفون مع الرئيس الأمريكي بشأن طريقة إدارة الحرب، لكنهم لن يسمحوا بالضرورة بتحول إيران إلى قوة نووية عسكرية أو بهزيمة الولايات المتحدة أمامها.

وتأتي هذه التحذيرات بعدما كشفت تقارير غربية أن طهران تعمدت إطالة المفاوضات مع واشنطن قبل الانتخابات، أملاً في إضعاف ترامب، وحرمانه من تحقيق انتصار سياسي يمكن توظيفه انتخابياً. 

في 20 أكتوبر الماضي، كشف تقرير استند إلى إفادات ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار وشخصية مطلعة على دوائر القرار في طهران، أن القيادة الإيرانية تعمدت إطالة المفاوضات مع الولايات المتحدة لتجنب تقديم تنازلات تمنح ترامب مكسباً سياسياً قبل الانتخابات.

ونقل التقرير عن أحد المسؤولين أن إيران تستعد لاحتمال تجدد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية أكثر من استعدادها للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وأن القيادة الإيرانية مصممة على عدم منح ترامب انتصاراً سياسياً.

وسبق ذلك تقرير لوكالة بلومبرغ في 28 سبتمبر، نقل عن مطلعين على الموقف الإيراني تشاؤم المسؤولين في طهران من إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات، مع اعتقادهم بوجود احتمال مرتفع لتصاعد المواجهة بعد الثالث من نوفمبر.

وبعد ظهور النتائج، وجد الخطاب الإيراني في هزيمة الجمهوريين تأكيداً لصحة رهانه، خاصة بعدما أقر ترامب بتأثير الحرب وتكاليفها الاقتصادية على أداء حزبه.

لكن إلياس يشير إلى أن المكسب الانتخابي لا يغير الثوابت الاستراتيجية الأمريكية، موضحاً أن الديمقراطيين اختلفوا مع ترامب لأنه لم ينه الحرب بطريقة تحقق المصالح الأمريكية، ولأن استمرارها تسبب باستنزاف اقتصادي وسياسي وعسكري.

أظهرت نتائج الانتخابات فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ، بعدما انتزعوا مقاعد في ولايات كانت محسوبة على الجمهوريين، ليضمنوا ما لا يقل عن 54 مقعداً مقابل 44 للجمهوريين، إلى جانب تحقيق مكاسب واسعة في مجلس النواب.

وأعلنت القيادات الديمقراطية عزمها استخدام الأغلبية الجديدة لتقييد سياسات ترامب وتعزيز الرقابة على إدارته، مع إعطاء الأولوية لتكاليف المعيشة والمساءلة السياسية.

وأظهرت استطلاعات نشرتها أسوشيتد برس في أكتوبر أن 69% من الأمريكيين اعتبروا الحرب مع إيران غير مستحقة لتكاليفها، بينما بلغت نسبة الموافقة على طريقة إدارة ترامب للحرب 28% فقط.

غير أن إلياس يميز بين معارضة الديمقراطيين لإدارة الحرب وبين موقفهم من إيران، مؤكداً أن الخلاف بين الحزبين قد يتعلق بالدبلوماسية والعقوبات واستخدام القوة العسكرية، لكنه لا يلغي المصالح الاستراتيجية الأمريكية المشتركة.

ويضيف أن الديمقراطيين قد يسمحون بهزيمة ترامب سياسياً أمام إيران، لكنهم لن يقبلوا بهزيمة الولايات المتحدة إستراتيجياً، ولا يمكن لطهران التعويل على الانقسام الحزبي لتغيير الموقف الأمريكي من امتلاكها السلاح النووي. 

تكتسب الفترة الفاصلة بين الانتخابات وانعقاد الكونغرس الجديد أهمية خاصة، في ظل احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم البرلمانية الحالية حتى بداية يناير 2027.

وكان ترامب أعلن في الثامن من أكتوبر أن الولايات المتحدة لن تشن هجمات جديدة على إيران قبل انتخابات الثالث من نوفمبر، مشيراً آنذاك إلى استمرار المحادثات بين البلدين. ومع انتهاء الانتخابات، انقضت المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي لتعليق الهجمات، من دون أن يعني ذلك صدور قرار جديد باستخدام القوة.

ويقول إلياس إن خسارة الجمهوريين لم تكن مفاجئة لترامب بقدر ما كان حجمها صادماً، لأنها لا تعني فقدان مقاعد داخل الكونغرس فحسب، وإنما تراجع هيبته السياسية وقدرته على فرض أجندته خلال ما تبقى من ولايته.

ويحذّر من أن تضييق الخيارات السياسية الداخلية أمام الرئيس الأمريكي قد يزيد إغراء التصعيد الخارجي، خاصة بعدما ربط ترامب بنفسه بين الحرب مع إيران والخسارة الانتخابية.

وبحسب إلياس، فإن الرئيس الأمريكي قد يجد في المواجهة العسكرية فرصة لتغيير عنوان المرحلة، من رئيس خسر الانتخابات إلى رئيس يقود مواجهة تتعلق بالأمن القومي، بما يفرض على خصومه التعامل مع أولويات الحرب. ويشدد على أن هذا الاحتمال لا يعني اتخاذ ترامب قراراً عسكرياً بالفعل، لكنه يجعل الشهرين المقبلين مرحلة حساسة في الحسابات الإيرانية.

تتزامن التطورات الأمريكية مع استمرار التنسيق بين واشنطن وتل أبيب بشأن إيران، في وقت لم تتراجع فيه المخاوف الإيرانية من تجدد العمليات العسكرية.

وكان مسؤولون إيرانيون أبلغوا وسائل إعلام غربية قبل الانتخابات بأن طهران تتوقع احتمال استئناف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية.

ويحذّر إلياس من احتمال التقاء الحسابات السياسية لترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عند خيار التصعيد ضد إيران. ويوضح أن ترامب قد يبحث عن استعادة المبادرة بعد خسارته الانتخابية، فيما قد يرى نتنياهو في استمرار المواجهة مع إيران وسيلة لتعزيز موقعه السياسي والأمني.

ويشير إلى أن الخطر يتمثل في تحول المواجهة العسكرية من قضية مرتبطة بالأمن القومي وحده إلى أداة لتعويض الخسائر السياسية الداخلية لدى الطرفين، ما قد يجعل البحث عن انتصار قابل للتسويق أكثر حضوراً في قرارات التصعيد. 

تواجه إيران في المرحلة المقبلة استمرار الحصار الأمريكي على موانئها، وتعثر المفاوضات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب العقوبات والضغوط الاقتصادية التي تفاقمت خلال أشهر الحرب.

وكانت تقارير أكتوبر قد أشارت إلى تراجع الإيرادات النفطية الإيرانية بصورة حادة، مع استمرار الخلاف بشأن شروط إنهاء المواجهة ورفع القيود الأمريكية.

ويؤكد إلياس أن احتفاء طهران بهزيمة ترامب لا ينبغي أن يحجب حقيقة استمرار هذه التحديات، خصوصاً أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة لن تتولى مهامها قبل يناير المقبل، ولن تكون بالضرورة مستعدة لتقديم تنازلات في الملفات النووية والأمنية. ويحذر من أن الخطأ الأخطر سيكون اعتبار نتائج الانتخابات ضمانة لمنع التصعيد، لأن خسارة ترامب نفسها قد تصبح أحد دوافعه.

ويخلص إلى أن إيران قد تكون كسبت معركة سياسية داخل الولايات المتحدة، لكنها لم تكسب المواجهة الإستراتيجية معها، فيما يبقى احتمال اتفاق ترامب ونتنياهو على توسيع العمليات العسكرية أحد أبرز المخاطر التي تواجه طهران خلال الفترة المقبلة.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى