سلهب تكتب: خطاب الملك من القلب إلى القلب

التاج الإخباري -

بقلم: آلاء سلهب التميمي

ليس كل خطاب ملكي مناسبة تُلقى فيها الكلمات وتمضي، فهناك خطابات تبقى في وجدان الناس لأنها تلامس واقعهم، وتعبر عن آمالهم ومخاوفهم، وتضع أمامهم صورة واضحة لما يواجهه الوطن من تحديات. وهذا ما حمله خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي بدا حديثاً من القلب إلى قلوب الأردنيين، بما تضمنه من رسائل صريحة ومواقف ثابتة ورؤية واضحة للمرحلة المقبلة.

منذ بداية الخطاب، حضرت صورة الأردن الذي يعرف ثوابته، ويدرك حجم التحديات من حوله، لكنه يثق بقدرة شعبه على تجاوزها. وكان حديث جلالته عن شهداء الكرك من أكثر المواقف تأثيراً، حين أكد أن دماءهم عهد في أعناقنا، وأن من خانوا الوطن واعتدوا على أبنائه لا مكان لهم بين الأردنيين.

وهي رسالة تؤكد أن الإرهاب غريب عن مجتمعنا، وأن وحدة الأردنيين وتماسكهم هما خط الدفاع الأول عن الوطن.

ولعل أجمل ما عبّر عن هذه الحقيقة قول جلالته: "فقوة الأردن في شعب إن اشتدت الخطوب، ازداد تماسكا وبصيرة وحكمة".

فالأردن لم يستمد قوته من مؤسساته وقدراته الأمنية والعسكرية فحسب، وإنما من شعب يقف مع وطنه في الأوقات الصعبة، ويرفض أن تتحول الأزمات إلى خلافات أو أبواب للفتنة.

ومن الداخل إلى فلسطين، بقي الموقف الأردني واضحاً وثابتاً. فقد أكد جلالة الملك أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه في أرضه، مشدداً على خطورة الأطماع التوسعية الإسرائيلية واستمرار المأساة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس.

وهذا الموقف ليس جديداً على الأردن، الذي ظل حاضراً في الدفاع عن القضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، انطلاقاً من مسؤوليته التاريخية ومبادئه الثابتة.

وحين أكد جلالته أن من يظن أن الطغيان يمنح الشرعية أو أن الزمن يمحو الحقيقة واهم، فإنه يبعث برسالة واضحة بأن الحقوق لا تسقط بالقوة، وأن المبادئ لا تتغير تحت الضغوط.

أما في الشأن الداخلي، فقد حمل الخطاب رسالة مهمة للحكومة ومؤسسات الدولة، مفادها أن مصلحة المواطن يجب أن تكون أساس كل قرار. فالتنمية الحقيقية ليست أرقاماً وخططاً تُعرض، وإنما فرص عمل وخدمات أفضل وتعليم وعلاج ومستقبل أكثر استقراراً للأردنيين وأبنائهم.

ومن هنا، تبرز أهمية تنفيذ مشاريع التحديث الاقتصادي وتسريع إنجاز المشاريع الكبرى، حتى يشعر المواطن بأن ما يُعلن عنه من خطط ينعكس فعلياً على حياته اليومية. فالمواطن يريد نتائج ملموسة، لا مزيداً من الوعود التي تبقى بعيدة عن واقعه المعيشي.

ولم يكن تأكيد جلالته على الأمن المائي أقل أهمية، حين كرر: "المياه، المياه، المياه!"، ثلاث مرات واضعاً هذا الملف في مقدمة الأولويات الوطنية.

ففي بلد يواجه شحاً مائياً وتحديات متزايدة، تصبح حماية الموارد المائية مسؤولية تتعلق بسيادة الوطن وأمن أجياله المقبلة، ولا تحتمل التأجيل أو المساومة.

وفي رسالة واضحة للمسؤولين، شدد جلالة الملك على أن الوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً، وأن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، مؤكداً أنه "لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان".

وهي رسالة تعيد التأكيد على أن هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون، وأن ثقة المواطن بمؤسساته ترتبط بالنزاهة والمساءلة والعدالة.

كما وضع جلالته مجلس الأمة أمام مسؤولياته الوطنية والتشريعية والرقابية، داعياً إياه إلى أن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة. وأكد أن الاختلاف في الرأي يمثل قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، في رسالة تعكس أهمية الحوار المسؤول واحترام تطلعات المواطنين.

وفي ختام الخطاب، كانت الرسالة الأقرب إلى وجدان الأردنيين، حين خاطبهم جلالته بقوله: "أيها الأردنيون.. شعبي وسندي"، مؤكداً أنهم موضع ثقته وأهله وعشيرته أمانة في عنقه. وهي كلمات تحمل معنى يتجاوز العاطفة، وتعكس عمق العلاقة بين القيادة والشعب، وما يجمعهما من تاريخ وثقة وانتماء ومسؤولية مشتركة.

نحن نعتز بقيادتنا الهاشمية، ونفخر بجلالة الملك عبدالله الثاني الذي حمل قضايا الأردن والأمة إلى المحافل الدولية، وظل مدافعاً عن كرامة الأردنيين وحقوق الشعب الفلسطيني وثوابت الدولة. لكن الاعتزاز الحقيقي لا يتوقف عند التعبير عن الولاء والانتماء، وإنما يظهر أيضاً في العمل واحترام القانون وحماية مؤسسات الدولة والحرص على وحدتنا الوطنية.

لقد تحدث الملك من القلب، ووضع أمام الجميع رسائل واضحة تتعلق بأمن الوطن ومستقبل المواطن ومسؤولية المؤسسات. واليوم، تبقى المسؤولية في أن تتحول هذه الرسائل إلى عمل وإنجاز، وأن يجد الأردني أثرها في حياته وواقعه ومستقبل أبنائه.

فالأردن الذي نعتز به يستحق منا جميعاً أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نحافظ على وحدته وثوابته، وأن نضع مصلحته فوق كل اعتبار.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى