قراءة تحليلة في خطاب العرش السامي .. رسائل وطنية وسياسية تتجاوز حدود المناسبة الدستورية

التاج الإخباري -

بقلم: جعفر خطاطبة.

جاءت خطبة العرش السامي في مستهل الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين محمّلة بدلالات تتجاوز إطار المناسبة الدستورية، إذ رسمت ملامح المرحلة من خلال رسائل بدأت من الكرك، حيث استحضر جلالة الملك عبدالله الثاني دماء الشهداء وموقف الدولة الحاسم في مواجهة الإرهاب، لتؤكد أن أمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن الرهان سيبقى على وعي الأردنيين وتماسكهم في مواجهة محاولات الفتنة والانقسام.

الكرك والإرهاب.. البداية التي اختزلت موقف الدولة

كان لافتاً أن يبدأ جلالة الملك خطابه باستحضار حادثة الكرك الإرهابية، مؤكداً أن دماء الشهداء عهد في أعناق الأردنيين، وأن الإرهاب والخوارج لا مكان لهم في المجتمع الأردني. ولم يكن هذا الاستهلال مجرد تعبير عن الحزن والتضامن مع أسر الشهداء، بل حمل رسالة سياسية ووطنية واضحة بأن الدولة لن تسمح للإرهاب بأن يمس أمن الأردن ووحدته.

فقد حرص جلالته منذ اللحظة الأولى على أن تكون الكرك حاضرة في أول مناسبة دستورية بعد الحادثة، امتداداً لموقفه المباشر منذ وقوعها، من خلال زيارته موقع الحادث والوقوف إلى جانب المصابين وأسر الضحايا. وهذا يؤكد أن الموقف الملكي لم يكن موقفاً عابراً فرضته اللحظة، بل تعبيراً عن مسؤولية الدولة تجاه أبنائها، وعن رفض قاطع لكل محاولة لاستغلال الأحداث الأمنية لإثارة الانقسام أو زعزعة الثقة الوطنية.

كما أن هذه الرسالة تتجاوز الداخل الأردني إلى الخارج، في مواجهة محاولات البعض التي راهنت على أن تؤدي الحادثة إلى تصدعات في المجتمع الأردني. فجاء الموقف الملكي واضحًا: الأردن لا ينكسر أمام الإرهاب، والأردنيون أكثر وعياً وتماسكًا من أن يسمحوا لأحد بالعبث بوحدتهم.

الأردن وجيشه وأجهزته الأمنية.. معادلة الأمن والاستقرار

وعندما انتقل جلالة الملك إلى الحديث عن صلابة الأردن ومنعة مؤسساته، كان التأكيد على دور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، باعتبارها سياج الوطن وحصنه المنيع.

وهنا لا بد من قراءة هذا التأكيد في سياق التحديات التي تواجه المنطقة، وما أثبتته مؤسساتنا العسكرية والأمنية من كفاءة عالية على المستويات العملياتية والاستخباراتية والميدانية. فالأمن والاستقرار ليسا مجرد شعارين، بل هما الأساس الذي تقوم عليه الدولة، والضمانة التي تتيح للمواطن أن يعيش مطمئناً، وللاقتصاد أن ينمو، ولمؤسسات الدولة أن تؤدي واجباتها.

إن الإشادة بهذه المؤسسات لا تعني الاكتفاء بالثناء على جهودها، بل تفرض على الجميع مسؤولية دعمها والالتفاف حولها، إدراكًا بأن الحفاظ على أمن الأردن مسؤولية وطنية مشتركة.

الأردن وعروبته.. ثبات على المبادئ واستمرارية في النهج الهاشمي

وفي تأكيده على تمسك الأردن بعروبته والدفاع عن قضايا الأمة، لم يكن جلالة الملك يتحدث عن موقف سياسي مرحلي، بل عن نهج راسخ في تاريخ الدولة الأردنية منذ تأسيسها.

وتحمل الإشارة الملكية إلى أن هذا النهج امتداد لما سار عليه الملك الحسين رحمه الله، وسيواصل الملك عبدالله الثاني حمله، وسيكون عليه ولي العهد من بعده، رسالة واضحة حول استمرارية النهج الهاشمي، وأن الأردن لن يحيد عن عروبته أو يتخلى عن مسؤولياته تجاه أمته، مهما اشتدت التحديات.

القضية الفلسطينية.. موقف أردني ثابت لا يتغير

وفي القضية الفلسطينية، جدد جلالة الملك التأكيد على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه في أرضه، مشددًا على استمرار الكارثة الإنسانية في غزة، والاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، وخطورة الأطماع التوسعية الإسرائيلية على مستقبل المنطقة.

وهنا تتجاوز الرسالة حدود الموقف السياسي المعتاد، لتؤكد أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً ثانوياً في السياسة الأردنية، ولا موقفاً مرتبطاً بظرف إقليمي أو دولي، بل هي قضية مركزية تمس الأمن الوطني الأردني ومستقبل المنطقة بأكملها.

وفي ظل التحولات السياسية داخل إسرائيل والاستعدادات المرتبطة بتشكيل حكوماتها، تأتي الرسالة الملكية لتؤكد أن الأردن يتعامل مع ثوابت لا تتغير بتغير الحكومات أو الأشخاص؛ فلا سلام حقيقياً دون القدس والضفة الغربية، ولا استقرار دون إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

الرسالة إلى العالم.. الطغيان لا يصنع شرعية

ومن أكثر العبارات دلالة في الخطاب تأكيد جلالة الملك أن من يظن أن الطغيان يمنح الشرعية، أو أن الزمن يمحو الحقيقة، أو أن الأردني يتراجع عن مبادئه، فهو واهم.

هذه الكلمات تحمل بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود المنطقة، وتؤكد أن المواقف الأردنية لا تخضع لمنطق القوة أو محاولات فرض الوقائع، وأن احترام القانون والحقوق والمبادئ ليس موقفًا انتقائيًا يتغير وفق المصالح والضغوط.

فالأردن، رغم محدودية موارده وحجم التحديات المحيطة به، استطاع أن يحافظ على مكانته الدولية واحترامه لمبادئ القانون الدولي، وأن يقدم نموذجًا في التمسك بالمواقف السياسية والأخلاقية، حتى في عالم تتقدم فيه المصالح أحيانًا على المبادئ.

مجلس الأمة.. المسؤولية السياسية والسلوك البرلماني

وعندما انتقل جلالة الملك إلى الحديث عن مجلس الأمة، وضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤوليتها الدستورية والسياسية، مؤكدًا أن الأمة مصدر السلطات، وأن المجلس ركن أساسي في الحياة السياسية.

ولعل أبرز ما يستحق التوقف عنده هو تأكيد جلالته أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن قبة البرلمان من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب أيضاً.

وهذه رسالة بالغة الأهمية لأعضاء مجلس النواب، مفادها أن الأداء البرلماني لا يُقاس بعدد التشريعات أو المداخلات تحت القبة فقط، وإنما بمدى احترام المؤسسة التي يمثلونها، والالتزام بأخلاقيات العمل العام، والقدرة على ممارسة الدور الرقابي والتشريعي بمسؤولية.

فالاختلاف مع الحكومة، ومساءلتها، ومراقبة أدائها، ليست أموراً تتعارض مع التعاون بين السلطات، بل هي جوهر العمل البرلماني




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى