الزعبي يكتب: الأردن حين تهتز المنطقة .. قوة الموقف وثبات الدولة والقدرة على عبورها
التاج الإخباري -
بقلم: البرفسور عبدالله سرور الزعبيمركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
أقدم أسلحة الحرب ليست الرصاصة ولا المتفجرة، بل الفكرة التي تسبقهما. فالصاروخ يحتاج إلى مصنع، والهجوم السيبراني إلى مبرمج، أما الفكرة المتطرفة فتحتاج إلى عقل بلا أسئلة وفراغ لا يملؤه أحد. والسؤال الأهم ليس كيف نردّ على الرصاصة، بل كيف نمنع فكرتها من أن تجد من يصدّقها.
منذ تفجيرات الفنادق في عمّان عام 2005، مروراً بمخيم البقعة وإربد وقلعة الكرك والسلط، وصولاً إلى كنيسة حمود، يتكرر المشهد بأسماء مختلفة وفكرة واحدة. وهذا التكرار ليس رقماً في سجل أمني، بل إشارة استراتيجية. فالأجهزة الأمنية أثبتت كفاءة عالية في الإحباط والتفكيك، وكثير من المخططات لم يصل إلى التنفيذ. لكن الدولة التي تقطع الغصن في كل مرة ثم تجد الجذور قد أنبتت غيره مطالبة بأن تسأل عن الجذر، وهو ليس السلاح ولا المنفّذ، بل البيئة الفكرية والنفسية التي تنتج المنفّذ التالي.
ومن هنا يكتسب الدفاع الشامل معناه. فقد تغيرت طبيعة الحرب، إذ قد يستهدف الهجوم شبكة كهرباء أو مركز بيانات أو منظومة مالية، وقد يكون فيروساً يغلق المطارات ويضغط على المستشفيات. والدولة القوية لم تعد التي تملك جيشاً يحمي حدودها فحسب، بل التي تواصل عملها تحت صدمات متزامنة، وتحمي بنيتها الحيوية، وتمنع انهيار الثقة العامة، وتستعيد عافيتها بسرعة. غير أن المفهوم ينبغي أن يتسع لما هو أبعد: الدفاع عن العقل العام نفسه، فالدولة التي تحصّن شبكاتها ولا تحصّن الوعي تحمي الأبواب وتترك الجدران مفتوحة.
وقد سبقتنا إلى هذا الفهم تجارب عدة. ففنلندا، التي تتقاسم مع روسيا حدوداً تقارب 1340 كيلومتراً، تعتمد منذ عقود نموذج "الأمن الشامل" الذي تتقاسم فيه الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني المسؤولية: لجنة وطنية تنسق بين الوزارات، ووكالة إمداد تدير مخزونات استراتيجية مع الشركات، وملاجئ تتسع لغالبية السكان، وتمارين دورية تحاكي الأزمات. ولم تكتف بالجانب المادي، فأدخلت التربية الإعلامية والتفكير النقدي في مناهجها منذ الصغر، فتصدرت أوروبا في مقاومة التضليل. وتقوم تجربة سنغافورة على "الدفاع الشامل" بأركانه العسكرية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والرقمية والنفسية، وأنشأت السويد وكالة مستقلة للدفاع النفسي. والدرس المشترك أن حماية الوعي جزء من حماية الحدود، وأن الاستعداد يُبنى في زمن الهدوء لا في ساعة الأزمة.
وقد قدمت جائحة كورونا درساً قريباً في المعنى نفسه، إذ اكتشف العالم أن أخطر التهديدات قد يأتي من أزمة تضرب الصحة والاقتصاد والتعليم والنقل وسلاسل التوريد معاً. وحقق الأردن أداءً ملحوظاً في مراحل مهمة من إدارتها بفضل تكامل قدرات مؤسساته لا قطاع واحد. فجاءت التوجيهات الملكية في آذار 2020 بالتنسيق بين المؤسسات وضمان استمرار الخدمات ووضع خطة للاحتياطيات الاستراتيجية، ثم في تشرين الثاني 2020 بجعل المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات المرجعية في إدارة الأزمة، مع الشفافية وشراكة المواطن. وكانت تلك تجربة مبكرة في الدفاع الشامل، وإن لم يسمّها أحد بهذا الاسم. وتؤكد التوجيهات الأخيرة، ومنها اجتماع آذار 2026 لمراجعة الجاهزية وتأمين الإمدادات والطاقة، أن الدولة تتجه إلى مفهوم أوسع للدفاع، فالجيش رأس الحربة، لكن الدولة كلها يجب أن تكون منظومة دفاع متكاملة.
والدرس الأهم أن الأزمة المركبة لا تعترف بحدود الوزارات. فالمستشفى يحتاج إلى الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل، والمجتمع يحتاج إلى الثقة والمعلومة الصحيحة. وهذا حال التطرف أيضاً، فهو ليس ملفاً أمنياً فحسب، بل ملف يتقاطع فيه التعليم مع الإعلام، والمنبر مع الاقتصاد، والعدالة التنموية مع الهوية، ومواجهته بجهة واحدة كمواجهة جائحة بوزارة واحدة. ولعل الخطر القادم لن يكون رصاصة في جنازة، بل تركيباً من الأزمات: هجوم سيبراني مع اضطراب في الطاقة، وأزمة مياه مع اضطراب في الإمداد، وحرب معلومات مع حادث دموي، وخطاب كراهية يجد في الصدمة وقوداً. فالتنظيمات التكفيرية تجنّد اليوم في الفضاء الرقمي، حيث تتسارع الأحداث حتى لا تبقى بين الواقعة وفهمها مسافة، ولذلك فحماية مسافة التأمل لدى الشباب ليست ترفاً ثقافياً، بل بنية تحتية حيوية لا تقل أهمية عن شبكة الكهرباء.
ولا يكتمل المفهوم إلا بقراءته في ضوء إقليم يحيط بالأردن من كل جهة. فقد أصبحت أراضيه في عام 2026 ضمن نطاق الاستهداف، وأعلنت القوات المسلحة اعتراض صواريخ دخلت مجالها الجوي، وكلما ازدادت أهميته في شبكات الدفاع واللوجستيات الإقليمية ارتفعت قيمة استهداف المنشآت على أرضه. والمملكة تنظر إلى الجبهة الغربية والجبهة الشمالية مع الجنوب السوري بوصفهما مصدرين متمايزين للقلق. والفوضى الإقليمية لا تهدد بالصواريخ والمسيّرات وحدها، بل تفتح قنوات التهريب والتجنيد والدعاية، وتضاعف ضغوط الطاقة والمياه، وتغذي حرب المعلومات. ولذلك فالدفاع الشامل ليس ثلاث منظومات منفصلة (دفاع جوي، وأمن داخلي، ومعالجة فكرية)، بل منظومة واحدة بسيناريوهات مشتركة. فالأردن لا يستطيع إطفاء حريق الإقليم، لكنه يستطيع ألا يكون وقوداً له.
وقد يكون التحدي الأكبر أن يحافظ الأردن على ثباته دون جمود، وعلى حذره دون انكفاء، وعلى انفتاحه دون تفريط بمصالحه. فالعالم الذي تتغير فيه التحالفات لا يمنح الدول الصغيرة والمتوسطة رفاهية رد الفعل، بل يفرض عليها أن تعرف موقعها وتحدد مصالحها وتبني خياراتها قبل أن تضيق المساحة. وتبقى القيادة القوية حاسمة وسط إقليم مضطرب، لكن التحدي الأعمق أن تتكامل مع مؤسسات تستبق المخاطر، وحكومة تحول الرؤية الملكية إلى برامج قابلة للقياس، واقتصاد يخفف الهشاشة، ومجتمع شريك في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل.
وهذا يقتضي نقلة من إدارة الأزمات إلى هندسة الصمود، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن الحل الواحد إلى بناء البدائل. فالأردن لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي لكنه يستطيع أن يجعله مصدر قوة، ولا يستطيع امتلاك كل الموارد لكنه يستطيع بناء المعرفة والشراكات والتكنولوجيا والجاهزية. وتبدأ الآلية من ستة مسارات: مناعة معرفية وطنية تُدخل التفكير النقدي وتفكيك الخطاب الرقمي إلى التعليم. ومرصد وطني مستقل لمؤشرات الهشاشة الاجتماعية، من البطالة في الأطراف إلى الفراغ الثقافي وخطاب الكراهية، لا لمراقبة الأفراد بل لرصد البيئات التي تنمو فيها الأفكار المتطرفة. واختبارات ضغط وطنية دورية تحاكي الأزمات المركبة بمشاركة الأمن والتعليم والإعلام والبلديات والقطاع الخاص. فقد أعلن المركز الوطني تطوير 28 خطة وطنية، والخطة التي لم تُختبر على أرض الواقع تظل افتراضاً. فما البديل إذا انقطع طريق تجاري رئيسي، وهل اختبرنا ذلك فعلاً؟ وعدالة تنموية تصل إلى الأطراف، لأن من يشعر بأن الدولة له يصعب إقناعه بأنها عدوه. ومراجعة ما بعد الحدث تُنشر دروسها للمؤسسات، فتتحول الصدمة إلى معرفة مؤسسية. وإدارة الصدمة المجتمعية، وهي الأقل حضوراً في النقاش. فالتنظيمات المتطرفة لا تقصد القتل وحده، بل أثره في النفوس: الخوف والشك بين الجيران والرغبة في الانتقام. والمجتمع الذي يتلقى الدعم النفسي والمعلومة الصادقة أقدر على إفشال هذا الهدف، وقد أثبت الأردنيون في ساعة هجوم كنيسة حمود حكمة وتضامناً كجسد واحد.
ولا يعني هذا التهوين من الدور الأمني ولا تحميل التعليم ما لا يحتمل، فالإرهاب ظاهرة مركّبة تتشابك فيها المظالم وشبكات التجنيد والاستغلال الأيديولوجي للغضب. لكن الدولة التي تكتفي بملاحقة النتائج تدخل سباقاً لا ينتهي، والتي تعالج الأسباب تغيّر قواعده، والمعالجة الجذرية لا تلغي الأدوات الصلبة بل تمنع أن تكون وحدها. والأردن يملك رأس مال اجتماعياً لا تملكه دول كثيرة، لكنه كأي رأس مال يتآكل إن لم يُستثمر، ومهمة الدفاع الشامل أن تحوّل هذا الرصيد العاطفي الذي ظهر في لحظة الفاجعة إلى مؤسسات ومناهج ومؤشرات.
ولعل الهدف الأبعد أن نقول يوماً: إذا تعرض قطاع للصدمة لم تتوقف الدولة، وإذا انقطع طريق وُجد بديل، وإذا تعطلت شبكة قامت أخرى احتياطية، وإذا هوجم الفضاء المعلوماتي لم تنهَر الثقة. فالقوة في المستقبل ليست في خوض الحرب فقط، بل في منع الأزمة من شل الدولة، وأكثر الدول أمناً ليست التي تمنع كل صدمة، بل التي تمتصها وتستمر أثناءها وتتعافى منها وتخرج أقدر مما دخلت. وعندها فقط نتحول من دولة تصمد أمام الأزمة إلى دولة يصعب تعطيلها.
فالأزمات لا تسأل الدول إن كانت مستعدة، بل تضعها أمام امتحان الاستعداد. والسؤال الذي يشغل الأردن اليوم ليس كيف نعبر الأزمة، بل كيف نخرج منها أقدر على منع تكرارها، وأقل اعتماداً على الآخرين، وأكثر امتلاكاً لأدوات صناعة مستقبلنا. فهذا هو الفارق بين دولة تنجو من العاصفة، ودولة تبني سفينتها وتقرأ اتجاه الرياح قبل أن يشتد الموج. وليست البطولة أن نعيش بلا أزمات، بل أن نمتلك الشجاعة لمواجهة ما لا يمكن تجنبه، والحكمة لاحتواء ما يمكن احتواؤه، والبصيرة للاستعداد لما لم يقع بعد.
فالأمن الوطني لم يعد جداراً على الحدود، بل شبكة تمتد من الجندي إلى مهندس الكهرباء، ومن الطبيب إلى المبرمج، ومن المنبر إلى المعلم، ومن المخزون الاستراتيجي إلى الذاكرة الوطنية. وبهذه الشبكة وحدها نستطيع أن نقول: إذا سقطت رصاصة في جنازة لم يسقط معها السلم الأهلي ولا الثقة. ومن أراد أن يهزّ بيت الأردنيين ازداد البيت تماسكاً، لكن الحكمة ألا نكتفي بالفخر بهذا التماسك، بل نحوّله إلى نظام. فالرصاصة آخر حلقة في السلسلة وأولاها فكرة، ومن أراد كسر السلسلة فليبدأ من أولاها. والدولة القوية ليست التي لا تهتز، بل التي تثبت حين تهتز المنطقة من حولها، وتحوّل ثباتها من فضيلة في زمن الخطر إلى قدرة تصنع بها زمناً أفضل.
الرجاء الانتظار ...