من التكفير إلى سفك الدماء .. المومني يفكك فكر التنظيمات الإرهابية

التاج الإخباري -

بقلم: المحامي د. بشير المومني.

المومني: تحرير العقل من الأفكار "المسمومة" مدخل أساسي لمواجهة الفكر الإرهابي

المومني: الإرهاب يبدأ بانحراف الفكر قبل ارتكاب الجريمة

يهدف هذا المقال  إلى القاء الضوء على جوانب مهمة للمرتكزات التي تقوم عليها التنظيمات الارهابية قد لا تجدوا كثيرا منها مطروقا بالسابق وبحيث تعين المهتمين باعادة انتاج الفكرة وكيفية التعامل مع واقعنا وتنبيه الكافة وعلى رأسهم المسلمين مما يحيق بهم من مخاطر حقيقية لهذه التنظيمات على انفسهم وأسرهم وأحبائهم لا سيما ان مسؤولية الوعي والتوعية ومكافحة الارهاب جماعية لا تنهض بها الدول بمعزل عن مجتمعاتها ومفكريها لذا اقتضى التنويه ..

مقدمة

هنالك خصائص محددة تشترك فيها جميع التنظيمات التي تدعي احتكارها للحق وتحاول ان تسند نفسها لشرعية من الاسلام وفي هذه العجالة نحاول تفكيك هذا المشهد الخطير الحساس وسيدرك القاريء ان الانسان المسلم كلما ابتعد عن هذه الجماعات كلما اقترب من الله تعالى وقد برئت ذمته من دماء الناس ..

أولا : دين مختلف

هنا لا نريد الدخول في فكرة وصف الماهية للإسلام وكيفية نشوء فقه الاركان والآثار التي ترتبت على ذلك لكن يكفي للإنسان المسلم أن يعلم بأن لهذه الجماعات إسلام يختلف عن باقي إسلام الناس وفي فقه هذه التنظيمات فإن أركان الإسلام وأركان الايمان لديهم مختلفة عما عشتم عليه وآمنتم به وقد زادوا على ما علمتموه من دينكم بالضرورة اركان اخرى رتبوا عليها اثر تكفير المجتمعات المسلمة وغير المسلمة واستباحوا بذلك الدماء والأموال والسبي والرق ..

فالركن هو ما دخل في ماهية الشيء واذا نزع منه لم يعد هو فكل من لا يتوفر في إسلامه وإيمانه هذه الأركان هو كافر مستحل مباح في نفسه وماله وعرضه وحريته ..

أما ما أضافوه على اركان الإسلام فكان ركن البيعة وركن الجهاد وأما ما أضافوه على اركان الايمان فهما ركن عقيدة الولاء والبراء وركن عقيدة الحاكمية .. وفي ذلك تفصيل طويل وآثار مهمة لا يتسع لها المقام لكن هذه الإضافات على ما بني عليه اسلام وايمان المجتمعات المسلمة وما أضيف على دينهم هي نفسها ما جعلت هذه التنظيمات يكفر بعضها بعضا ويضرب بعضها رقاب بعض ..

الأركان أعلاه تشترك فيها جميع التنظيمات بما فيها التي تدعي انها سياسية وليست إرهابية لان الفارق هنا هو القرار التنظيمي وفق نظريات التمكين وليس نظريات التوحش وإدارته ..

ثانيا : إعلاء تفسير النص الالهي والنبوي على النص نفسه

تستند هذه الجماعات والتنظيمات لمنظومة فقهية لا تستطيع التمييز ما بين النص القرآني الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وما فهمه البعض من هذه النصوص بما اصطلح على تسميته بالفقه ..

علينا ان ندرك بأن الفقه كجهد بشري هو جزء من الانتاج الحضاري العام للإسلام مثل الانتاج الحضاري في فن العمارة او الخط او العلوم الاجتماعية والمحضة التي ابدع فيها المسلمون الاوائل ولكن الفقه (( ليس دينا )) بل هو فهم الرجال لدين رب الرجال يكتنفه ما يكتنف أي جهد بشري من الخلل والخطأ والصواب فآراء اهل الفقه ليست نصوصا مقدسة بل قابلة للأخذ والرد ..

فقه هذه الجماعات في منظومة الـتكفير والتبرير قديمة متوالية ناشئة عن أنماط تفكير مؤطرة بشدة وليست وليدة عصرنا وإن كان أعيد انتاجها وتحتاج إلى شجاعة كبيرة للتصدي لها وقول الحقيقة بشأنها وإبطال ما فيها من اساءة وتجاوز على الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام نفسه ..

ثالثا : تجيير العقل

ركن البيعة يقتضي الاتباع لكن اخطر ما فيه بأن يتلقى الإنسان أوامر من إنسان غيره يقوم بموجبها بلا تفكير ذاتي حر بارتكاب الجرائم ومن هنا كان لزاما فك الربط ما بين الدين واشخاص الدين وتحرير العقل من الاتباع والنقل واعادة فكرة الاتصال مع الله تعالى دون وسيط او أمير جماعة او شيخ .. الطريق إلى الله عزوجل لا تحتاج إلى بشر مثلك كوسيط ..

رابعا : الفتوى و الحكم الشرعي

يدرك اهل العلم بأن ما يسمى فقها ( الحكم الشرعي ) هو مصطلح غامض غير معرف حتى الان ولم يتم الاتفاق على مفهومه الدقيق وادواته ومن يصدره ومدى حجيته وكيفية نفاذه .. الشيء بالشيء يذكر فمصطلحات مثل دار الإسلام ودار الحرب والعقيدة والعبادات والمعاملات وفكرة الأركان كلها نتاج فقه كجزء من المنتج الحضاري للإسلام وليس الإسلام نفسه ..

هنا تحديدا يدخل على الخط بقوة ما يسمى فقها ( الفتوى ) فإصدار الاحكام هو نمط تفكير قبل أن يكون أسلوب تدين وقد أناطت هذه الجماعات بنفسها حق اصدار الاحكام وتنفيذها باعتبارها حكما شرعيا ولها مجالس ومجامع فتوى متخصصة ..

انظروا جيدا الان .. هنالك منظومة فتوى تدعم منظومة العمليات والغريب أنه لا يوجد شيء مما حرمه الله سبحانه وتعالى أو نهى عنه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلّا وقد فعلوه .. كل الجرائم والمحرمات في الإسلام ارتكبوها وأتوها بفتوى ولهم في ذلك أحكام شرعية خاصة بهم مثل إباحة الزنا واللواط والسرقة والكذب والتهريب وشرب الخمر .. تفصيل ذلك يطول لكن هنا تحديدا يتوجب ان نعلم بأن عملية حمود الارهابية وقعت تحت بند فتوى ما يسمى لديهم ( جهاد النكاية ) ويهدف إلى تحقيق اكبر قدر من الخسائر النفسية والتحطيم المعنوي

رابعا : شرع من قبلنا شرع لنا

اخذ هؤلاء المجرمون عن شرائع الغير من أمم الكتاب لم يتوقف عند مسائل الطعام والشراب والتجارة والصناعة عند غياب النص مثلا بل تعداه إلى أنماط التفكير نفسها وأسلوب الامم السابقة في الحياة وصولا إلى انتهاك الحاضر مثل افكار الأغيار والاميين والانعزال الاجتماعي والفرقة الناجية والطائفة المنصورة وفكرة المنقذ ونبوءات آخر الزمان ..

هذا التسلل للأنماط رتب أنماطا متقابلة نظيرة لدى هذه الجماعات المحسوبة علينا كمسلمين لتحاكي نفس حالة الإجرام لدى الغير من امم سبقت المسلمين باعتبار أن الانحرافات الفكرية التي ينشأ عنها السلوك هي طبيعة بشرية ..

خامسا : خطاب مغشوش

الخلافة والدولة الإسلامية.. هذا يحتاج إلى بحث عميق وتفصيله كثير لكن علينا ان نعلم بأن الإسلام سابق على ما سمي فقها بالخلافة ودولها وبقي بعد زوالها ولا يحتاجها كدين لينهض بل ينهض بها وفقا لمنظومة اخلاق لا سفك دماء .. اسقط الفقه حكم الشخص الطبيعي على الشخص الاعتباري وكان ذلك خلل بنيويا ناشئا عن عدم القدرة على الاجتهاد فظهر لدينا ما يسمى بدولة الإسلام في حين ان نظريات الإسلام السياسي تبلورت في القرن السابع الهجري وتبلورت فكرة الدولة في القرن السادس عشر وكل ذلك بعد الإسلام ..

هنا نعود للفكرة الحضارية .. الإسلام ليس دولة ولا يحتاجها .. يمكن وجود دولة يعيش بها المسلمون وفق منظومة اخلاقية بالاساس وهي فكرة نتاج تفاعل حضاري بشري طبيعي لا يصح ان يتجاوز مفهوم الدين نفسه .. الدول ترتكب الجرائم أما الاديان فلا .. الدول لها حدود اما الاديان فلا حدود لها .. الدول حالة اجرائية تنظيمية سيادية تقوم بأحيان كثيرة على فكرة القهر والجبر اما الاديان فلا .. علينا ان نعيد ترتيب افكارنا هنا بشكل جيد

ختاما للعجالة ..

الارهاب المزعوم الذي يلصق بدين الإسلام زورا وبهتانا هو نتاج افكار يتوجب تنظيف العقل من سمومها .. الحديث عن مسببات اخرى للإرهاب مثل الفقر والبطالة هو غير دقيق باعتبار ذلك عوامل تحفيز وليس مؤديا للارهاب طالما لم ينشأ عن عمليات غسيل الدماغ فالأصل هو الانحراف الفكري المنتج للسلوك حيث أن تعبيرات الغضب واسعة لا يمكن في غالبيتها الساحقة أن تؤدي إلى الارهاب لذا كان الحديث عن عوامل التحفيز كمبرر خطأ بنيوي .. اما عوامل الانتشار فهي معقدة لذا لا يجوز ان نحمل الاردن فوق طاقته لا سيما إذا علمنا ان عوامل وحدة الامة هي نفسها لا غيرها تستخدم ضد الامة كعوامل انتشار ..

 




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى