العكور تكتب: الإعلام الذي يلاحق الرصاصة .. وينسى من صنع الفكرة
التاج الإخباري -
بقلم: إيما عكور.
بعد كل جريمة إرهابية، تتحول شاشاتنا إلى ساحات غضب، ويتسابق الإعلاميون لاستضافة المحللين والخبراء ورجال الدين، وتبدأ الأسئلة المعتادة: من الجاني؟ كيف نفذ جريمته؟ ومن يقف خلفه؟
ثم تنتهي التغطية.
يُدفن الشهداء، وتخفت أصوات الأمهات، وتغادر كاميرات التلفزيون مواقع الجريمة، ويعود كل شيء إلى طبيعته.
إلا شيء واحد.
الفكر الذي سبق الجريمة، وربما لا يزال ينمو في مكان آخر، بعيداً عن الكاميرات.
وهنا أسأل، بصفتي إعلامية أمضت سنوات طويلة في هذه المهنة:
هل نحن أمام إعلام يواجه التطرف، أم إعلام ينتظر الإرهابي حتى يطلق الرصاص ليجد ما يتحدث عنه؟
جريمة الكرك الأخيرة لا تستدعي مراجعة أمنية واجتماعية وتربوية فحسب، بل تستدعي مراجعة شاملة وجريئة للسياسات الإعلامية في الأردن. وأقصد السياسات، لا أداء مذيع أو برنامج بعينه.
فالمشكلة أعمق من خطأ مهني، وأخطر من عنوان مثير أو ضيف مستفز.
إنها تتعلق بالدور الذي نريده للإعلام في تشكيل الوعي، وفي حماية المجتمع من الكراهية، وفي مواجهة الخطاب الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى مبرر للعنف.
في عام 2017، عملت مستشارة إعلامية ضمن برنامج مدعوم من الاتحاد الأوروبي، بالشراكة مع مؤسسات حكومية أردنية، لإعداد خطط وبرامج لمواجهة العنف والتطرف بين الشباب.
شاركنا في إعداد استراتيجية إعلامية، وفي برامج وتدريبات ثقافية وفنية واعلامية امتدت إلى محافظات المملكة.
لم نكن نبحث عن عبارات جميلة حول التسامح، بل عن أدوات عملية لفهم كيفية وصول الفكر المتطرف إلى الشباب، وكيف يمكن للإعلام أن يواجهه قبل أن يتحول إلى سلوك عنيف.
ناقشنا الرسائل الإعلامية، والجمهور المستهدف، ولغة الخطاب، وأهمية الوصول إلى الشباب في بيئاتهم، لا الاكتفاء بمخاطبتهم من استوديوهات بعيدة عن واقعهم. واليوم، بعد نحو تسع سنوات، أجد نفسي أمام السؤال نفسه:
ماذا حدث لكل تلك الجهود؟
أين الاستراتيجيات الإعلامية التي أُعدت؟
ماذا نُفذ منها؟ وماذا توقف؟ ومن قيّم نتائجها؟ وهل تحولت إلى سياسات مؤسسية مستمرة، أم انتهى أثر بعضها بانتهاء المشروع والتمويل؟
لا أملك إجابات موثقة عن مصير كل برنامج، ولهذا أطالب المؤسسات المعنية بأن تقدمها. لأن مكافحة التطرف لا يجوز أن تكون مشروعاً له تاريخ بداية ونهاية، بينما الفكر الذي نحاربه لا يتوقف عن العمل يوماً واحداً.
دعونا نتحدث بصراحة عن إعلامنا.
كم مرة استضافت شاشة شخصية تتعامل مع المرأة باعتبارها مصدر الخطيئة، أو تنظر إلى المختلف دينياً أو فكرياً بوصفه خطراً على المجتمع؟
كم مرة تحولت الإهانة إلى رأي، والتحريض إلى وجهة نظر، والتكفير إلى مادة مثيرة للجدل؟
وكم مرة كان معيار اختيار الضيف قدرته على إثارة الضجيج، لا قيمة ما يقدمه للمشاهد؟
لا أقول إن كل خطاب متشدد يقود إلى الإرهاب، ولا إن كل رأي محافظ تحريض.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين إنسان يدافع عن معتقده، وآخر يمنح نفسه الحق في تجريد المختلف من كرامته أو تبرير الاعتداء عليه.
والإعلام الذي يعجز عن التمييز بينهما قد يتحول، دون أن يقصد، إلى منصة لتطبيع الكراهية.
ليس المطلوب إسكات الناس، ولا فرض خطاب ديني أو اجتماعي واحد.
المطلوب أن تتوقف المؤسسات الإعلامية عن التعامل مع التحريض على العنف باعتباره مجرد مادة ترفع نسب المشاهدة.
وأن تتذكر أن استضافة صاحب خطاب متطرف لا تعني بالضرورة مواجهته، خصوصاً عندما يُترك ليلقي أفكاره دون مساءلة أو تفنيد.
ثم أين إعلام الشباب؟
نحن نعرف أن جزءاً كبيراً من معركة التأثير اليوم يجري على الهواتف، لا أمام شاشات التلفزيون. ومع ذلك، لا نزال نتصرف أحياناً وكأن إنتاج برنامج وعظي، أو حملة إعلانية تحمل شعاراً وطنياً، يكفي لمواجهة خطاب متطرف يعرف جيداً كيف يستخدم الصورة والموسيقى والعاطفة والخوف والغضب لاستقطاب جمهوره.
المتطرف لا ينتظر موعد نشرة الأخبار حتى يصل إلى الشباب. هو حاضر في المقاطع القصيرة، وفي التعليقات، وفي المجموعات المغلقة، وفي المحتوى الذي يتلاعب بالمشاعر ويقدم إجابات سهلة لأسئلة معقدة. فأين المحتوى الأردني القادر على منافسته؟
أين البرامج التي تخاطب الشاب بلغته، وتحترم عقله، وتناقش أسئلته دون تخويف أو اتهام؟ أين الاستثمار الحقيقي في صناع المحتوى الشباب، وفي الإعلام الرقمي الذي يكشف أساليب التضليل والتجنيد والتحريض؟
لا يمكن أن نواجه خطاباً يعرف جمهوره جيداً بإعلام لا يزال يتحدث إلى الجمهور الذي اعتاد سماعه منذ عشرين عاماً.
وهناك مسؤولية أخرى لا تقل أهمية.
كيف نغطي جرائم الإرهاب؟ هل نمنح الضحايا المساحة التي يستحقونها، أم نسمح أحياناً بأن يصبح القاتل هو الشخصية الرئيسية في القصة؟
هل نتحقق من المعلومات قبل نشرها، أم نترك الشائعات والاتهامات غير المثبتة تتقدم على الحقائق؟ وهل ننتبه إلى أن التغطية المبالغ فيها قد تمنح الإرهابي بعض ما يبحث عنه: الشهرة والخوف والانتشار؟
لا أطالب بإخفاء الحقائق عن الناس.
على العكس. أطالب بإعلام يملك الشجاعة لنشر الحقيقة، والانضباط المهني كي لا يتحول إلى أداة مجانية في يد من يريدون إرهاب المجتمع. وهذا يتطلب تدريباً مستمراً للصحفيين والمحررين والمذيعين على التغطية المسؤولة للإرهاب، وفهم خطاب الكراهية، والتحقق الرقمي، والتعامل مع الضحايا وأسرهم بكرامة.
كما يتطلب مراجعة السياسات التحريرية داخل المؤسسات الإعلامية، لا الاكتفاء بمحاسبة صحفي صغير عندما تقع أزمة.
وأصل هنا إلى النقطة الأكثر حساسية.
من يراقب أداء الإعلام نفسه؟
لا أقصد الرقابة التي تحذف رأياً مخالفاً، أو تخيف الصحفي، أو تجعل النقد السياسي تهمة. بل أقصد المساءلة المهنية الحقيقية.
لماذا لا تكون لدينا مراجعة مستقلة للسياسات الإعلامية المتعلقة بخطاب الكراهية والتطرف، يشارك فيها صحفيون وخبراء قانون وتربية وعلم اجتماع وممثلون عن المجتمع؟
لماذا لا تُلزم المؤسسات الإعلامية، خصوصاً الممولة من المال العام، بنشر تقييمات دورية لبرامج التوعية التي تنتجها؟ ولماذا لا نضع معايير تحريرية واضحة للتعامل مع التكفير والتحريض على العنف، وآليات شفافة للشكاوى والتصحيح، دون المساس بحرية التعبير؟
وأين دور الجامعات وكليات الإعلام في إعداد صحفيين يفهمون خطورة الكلمة، لا صحفيين يجيدون فقط الوقوف أمام الكاميرا؟ نحتاج إلى مراجعة شاملة للسياسات الإعلامية، تبدأ من التشريعات ومدونات السلوك، وتمر بالتدريب والمناهج والمحتوى الرقمي، وتنتهي بقياس النتائج ومحاسبة المؤسسات عن أدائها.
ولا نحتاج إلى لجنة جديدة تكتب توصيات جديدة، قبل أن نعرف ماذا فعلنا بالتوصيات القديمة.
وأريد أن أكون واضحة تماماً.
محاربة التطرف لا تعني محاربة التدين.
ولا تعني منع الآراء المحافظة.
ولا تعني تحويل الإعلام إلى جهاز يراقب ضمائر الناس.
بل تعني حماية حق الجميع في التعبير والاختلاف، مع رفض التهديد والتحريض على العنف، أياً كان مصدرهما.
والأهم، ألا تتحول مكافحة التطرف إلى ذريعة جديدة لتقييد الصحافة. فنحن بحاجة إلى إعلام حر وشجاع ومسؤول، لا إلى إعلام خائف يكرر ما تريد المؤسسات سماعه. لأن الإعلام الذي لا يستطيع طرح الأسئلة الصعبة على المسؤولين لن يستطيع أن يقود نقاشاً حقيقياً حول التطرف. والإعلام الذي يخشى مواجهة خطاب الكراهية لن يمنعه من الانتشار.
بعد جريمة الكرك، من السهل أن نطالب بمزيد من الإجراءات الأمنية. ومن السهل أن نرفع الشعارات ونؤكد أن الأردنيين أسرة واحدة. لكن الأصعب أن نعترف بأن حماية هذه الأسرة تحتاج إلى عمل يومي، لا إلى عبارات عاطفية نستحضرها بعد كل فاجعة.
وأنا هنا لا أحمّل الإعلام مسؤولية جريمة بعينها، ولا أزعم أن سياسة إعلامية مهما بلغت جودتها قادرة وحدها على منع الإرهاب. لكنني أرفض إعفاء الإعلام من مسؤوليته في مواجهة البيئة الفكرية التي تسمح للكراهية بأن تصبح أمراً عادياً.
لقد آن الأوان أن نسأل ليس فقط كيف غطينا الجريمة، بل كيف تعاملنا طوال السنوات السابقة مع الأفكار التي قد تبررها.
وأن نسأل الحكومة والمؤسسات الإعلامية:
أين سياساتنا؟
أين برامجنا المستمرة؟
أين نتائج الاستراتيجيات التي أعددناها؟
وأين المحاسبة على ما لم يُنفذ؟
لا أريد بعد سنوات أن أشارك في نقاش جديد حول جريمة جديدة، وأجد نفسي أكرر الأسئلة نفسها.
الإعلام الذي نحتاجه ليس إعلاماً يطلب من الناس أن يكونوا متسامحين، بل إعلاماً يساعدهم على اكتشاف الكراهية حتى عندما تتنكر في ثياب الفضيلة والدين والوطنية.
فالإرهابي قد يحتاج إلى رصاصة ليقتل إنساناً. أما الفكرة التي تبرر قتله، فقد يكفيها منبر واحد، وجمهور لا يسأل.
وهنا مسؤوليتنا.
ليس بعد الجريمة فقط.
بل قبل أن يجد القاتل القادم من يقنعه بأن القتل فضيلة.
الرجاء الانتظار ...