استراتيجية مواجهة التطرف: من أين نبدأ؟
التاج الإخباري -
بقلم: حسين الرواشدة.خلال ترؤسه لمجلس الامن القومي، أمس الأول، وجه الملك الحكومة والمؤسسات المعنية «لمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف العمل على تجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية»، اسمحوا لي ان أساهم في هذا المجال بتسجيل 7 ملاحظات، دون الدخول في التفاصيل.
الملاحظة الاولى: تحتاج الإجابة عن سؤال التطرف اولاً الى تعريفه ومعرفة اسبابه وتشخيص «التربة» التي خرج منها، اقصد جذوره الحقيقية، وصولاً الى تحديد وصفات معالجته «والصيدليات» التي يمكن ان تصرفها، بالأفعال لا مجرد الأقوال، ومن اجل ذلك لا بدّ ان يتوافر لدينا ما يلزم من معلومات ودراسات لمعاينة الظاهرة والتعامل معها.. فالاستراتيجيات لا تبنى على الانطباع والرغبات بل على الوقائع والدراسات والامكانيات، كما ان الاستراتيجيات تختلف عن عملية توزيع والادوار: الاولى تتناول المشكلة من كافة ابعادها أما الثانية فتكتفي بتحديد واجبات كل جهة لها علاقة بالمشكلة.
الملاحظة الثانية: صحيح، التطرف الذي نعاني منه –في الغالب- يتلبس ثوب «الدِّين» ويتحدث باسمه، لكن الصحيح –ايضا- ان الدِّين مجرد غطاء، لهذا فإن دور المؤسسات الفاعلة في المجال الديني مطلوب لترشيد حالة «التَّدين» لكنه وحده لا يكفي، فالتطرف له مصادر اخرى تغذيه، ونحن بحاجة الى «تجفيف» هذه المصادر، سواء أكانت في المجال التعليمي او السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي والفكري، وأعتقد أن «اصلاح» هذه المجالات هو الخطوة الواجبة، وهذا يحتاج إلى شراكات بين مختلف المؤسسات والإدارات المعنية، يمكن هنا رصد صور التطرف وانحرافاته، لتحديد الجهات التي يمكن ان تتعاون في تنفيذ الاستراتيجية.
الملاحظة الثالثة: استطراداً لما ذكرت، فإن نجاحنا في عزل «بلدنا» عن ظاهرة التطرف المحيطة بنا يحتاج الى الاعتراف بأن لدينا «منابت» داخلية أخرجت مثل هذه الفصائل والفسائل «المتطرفة» ولا بدّ من تحديدها ومعرفة المسؤولين عنها واوجه التقصير التي حصلت، وبالتالي فإن «حصر» الظاهرة في سياقاتها الداخلية وبدمغتها المحلية، سيساعدنا أولا في «عزلها» عن محيطها الخارجي، وثانياً في اختيار الوسائل التي تتناسب مع مجتمعنا، وثالثاً في اصلاح مجالنا العام بحيث يصبح طارداً لفكرة التطرف مهما تنوعت مجالاتها واسبابها.
الملاحظة الرابعة: ان تطويق ظاهرة التطرف بالحلول الأمنية ممكن على المدى المنظور، لكنه غير مضمون على المدى الطويل، وبالتالي لا بد عند وضع أية استراتيجية من مراعاة العلاقة بين التطرف السياسي والتطرف الديني، او بين التكفير السياسي والآخر الديني، باعتبارهما وجهان لعملة واحدة، فالآراء والأحكام المتطرفة مهما كان المجال الذي صدرت منه قد تجد من (يبتلعها) لأسباب مختلفة، لكن هذا (الابتلاع) يفضي بالضرورة الى (ولادة) أنواع من التطرف تتراكم زمنيا حتى تنفجر، فيما يفترض أن نعمل لتسهيل (هضم) هذه الآراء والأحكام لكيلا تتحول الى (انسدادات) قابلة للاجترار بعكس الاتجاه في أية لحظة.
الملاحظة الخامسة: ان أية استراتيجية لا بدّ أن تراعي مسألتين: إحداهما أن تكون نتيجة لتوافق عام وبمشاركة كافة الجهات الرسمية والشعبية المعنية بالموضوع، وأن يسهم فيها (خبراء) يمثلون الحقول المختلفة التي ترتبط بها ظاهرة التطرف (الحقول السياسية والإعلامية والدينية والاقتصادية...إلخ) أما المسألة الاخرى فتتعلق بضرورة وجود الارادة السياسية لإعطائها المشروعية اللازمة، والامكانيات البشرية والمادية لتنفيذها، والمضامين والوسائل اللازمة لاقناع الجمهور بها، سواء أكان هذا الجمهور من (المتورطين) في التطرف أو ممن نعتقد أن لديهم (القابلية) لانتقال العدوى اليهم، أو من المعتدلين الذين يجب أن نرسخ فكرة الاعتدال بينهم.
الملاحظة السادسة: لا بد من تحديد طبيعة الاستراتيجية التي يمكن اعتمادها في هذا المجال، لدينا – بالطبع - العديد من الاستراتيجيات، منها استراتيجية «الاستئصال»، سواء بالقوة او بالقانون، وهي تشبه الاسعافات الاولية والعاجلة، واستراتيجية «الاختراق» حيث يمكن استمالة الاقل تطرفا وتوظيفهم لتغيير قناعات الاخرين والتأثير عليهم، واستراتيجية «تنقية التربة» وهذه تحتاج الى نفس طويل ومعالجات شاملة تهدف اخيرا الى قطع الاسباب التي تدفع الى انتاج التطرف، ويمكن هنا اعتماد هذه الاستراتيجيات معا او على مراحل.
الملاحظة السابعة: ان النظر الى (المتطرفين) كشياطين وإصدار الاحكام ضدهم استنادا الى هذا التوصيف، سيحرم أية استراتيجية من فرص النجاح في مواجهة ظاهرة التطرف (يجب هنا أن نفرق بين المتطرفين والارهابيين) ولهذا يفترض أن يتم التعامل معهم مبدئيا كضحايا أو مرضى بحاجة الى علاج، أو حتى تصنيفهم بحسب درجة خطورتهم، وبالتالي فإننا بحاجة لـ (مزيج) من الاستراتيجيات المتوازية لتطويق هذه الظاهرة لا مجرد استراتيجية واحدة.
الرجاء الانتظار ...