هل أشعلت أزمة هرمز غضب الشارع الأوروبي؟ .. الروسان يكشف لـ"التاج" ما وراء الاحتجاجات

التاج الإخباري -

لينا الناصر  

قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان إن الاحتجاجات الشعبية والطلابية والعمالية التي تشهدها عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، تستدعي قراءة استراتيجية تتجاوز التفسيرات التي تختزل المشهد في صدمة معيشية عابرة أو توجيه خارجي، مؤكداً أن المشهد يجمع بين اختلالات داخلية وصدمات جيوسياسية خارجية متتالية انعكست على أسواق الطاقة والنمو الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين.

وأكد الروسان في حديثه لـ"التاج الإخباري"، الإثنين، أن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وما يرتبط بها من مخاطر على إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال تشكل عاملاً مضاعفاً للضغوط الاقتصادية على أوروبا، إلا أنه من الخطأ اعتبار المضيق السبب المباشر والوحيد للاحتجاجات، في ظل وجود مشكلات متراكمة تتعلق بالسكن والتعليم والأجور والخدمات العامة، سبقت الاضطرابات الأخيرة.

وأشار إلى أن فرنسا تتصدر مشهد الاحتجاجات في ظل اتساع المطالب من قضايا طلابية مرتبطة بأوضاع المدارس إلى مطالب أوسع تتعلق بغلاء المعيشة والسكن والأجور والعدالة الاجتماعية.

وأوضح أن صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية سلطت الضوء على ما وصفته بالإخفاق في إدارة احتجاجات 17 أكتوبر، مشيرة إلى أن حجم المشاركة تجاوز توقعات السلطات، وتراوحت التقديرات بين 500 ألف و800 ألف متظاهر في مختلف المناطق. وأضاف أن غالبية المشاركين خرجوا في مسيرات سلمية، رغم تسجيل أعمال نهب وتخريب وحرائق في بعض المدن، أثارت انتقادات بشأن خطط انتشار الشرطة وقدرتها على احتواء الأحداث.

ولفت الروسان إلى أن مظاهر الاحتجاج والتوتر امتدت إلى إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وألبانيا، حيث تداخلت المطالب المعيشية مع الاعتراض على انخفاض الأجور وصعوبة الحصول على السكن وتراجع الخدمات العامة، فيما شهدت بعض المواقع مواجهات مع الشرطة وأعمال عنف صاحبت التجمعات الاحتجاجية، ما وضع الحكومات أمام اختبار يجمع بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية وحماية النظام العام ومنع انزلاق الشارع نحو الفوضى.

وأكد أن الشارع الفرنسي يمتلك تقاليد طويلة في التعبير عن المطالب ومواجهة القرارات الحكومية، كما تؤدي النقابات والاتحادات الطلابية والقوى السياسية دوراً مؤثراً في توجيه الحراك وتوسيع نطاقه، موضحاً أن هذه الثقافة الاحتجاجية لا تعني بالضرورة أن كل ما يجري في الشارع يعبر عن موقف موحد أو تقف خلفه جهة واحدة.

تآكل القدرة الشرائية في صلب الاحتجاجات الأوروبية

وأوضح الروسان أن الجذور الأساسية لهذه التحركات تتمثل في التآكل المتسارع للقدرة الشرائية، وما يترتب عليه من أعباء مباشرة على نفقات السكن والطاقة والغذاء والنقل والتعليم والصحة.

وأشار إلى أن الاحتجاجات تعكس شعوراً بأن الأعباء الاقتصادية تتزايد في وقت تتراجع فيه جودة بعض الخدمات العامة، وأن سياسات التقشف قد تحمل الفئات الأقل دخلاً كلفة أكبر من قدرتها على الاحتمال.

وأضاف أن المطالب في فرنسا تحديداً اتسعت من القضايا التربوية إلى ملفات العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الأعباء وحماية القدرة الشرائية.

مضيق هرمز والصراعات الدولية.. ضغوط إضافية على أوروبا

وأكد الروسان أنه لا يمكن تجاهل العلاقة بين الأزمات الداخلية وتداعيات الصراعات الدولية، موضحاً أن جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية شكلتا خلفية اقتصادية ضاغطة على أوروبا، من خلال اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة وتراكم الديون وزيادة الإنفاق الحكومي.

وبيّن أن أي اضطراب مستمر في مضيق هرمز وهو الممر الاستراتيجي ينعكس على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين والشحن والإنتاج الصناعي، ومن ثم ينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات التي يتحمل المواطن كلفتها النهائية.

وشدد على أن المشكلات المتعلقة بالسكن والتعليم والأجور والخدمات العامة سبقت الاضطرابات الأخيرة، وأن لكل دولة أوروبية ظروفها السياسية والاقتصادية الخاصة، موضحاً أن الأثر الحقيقي لمضيق هرمز يتمثل في زيادة الضغوط على بيئة اقتصادية واجتماعية تعاني أصلاً من تراكم الاختلالات.

مجموعات ملثمة وأعمال تخريب تثير التساؤلات

وفيما يتعلق بأعمال العنف المصاحبة لبعض الاحتجاجات، أشار الروسان إلى أن ظهور مجموعات ملثمة واقترانها بأعمال نهب وتخريب للممتلكات العامة والخاصة أمام عدسات الكاميرات أثارا تساؤلات حول طبيعة هذه المجموعات والأهداف التي تتحرك من أجلها.

وأكد أن تنوع ألوان البشرة بين المشاركين في أعمال الشغب لا يشكل بحد ذاته دليلاً على وجود توجيه أمني أو خارجي منظم، موضحاً أن إثبات وجود مندسين أو جهات تقف وراء أعمال التخريب يتطلب أدلة وتحقيقات موثوقة، ولا يجوز بناء الاستنتاجات على المظهر.

وأضاف أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب الفصل بين حماية حق التظاهر السلمي وملاحقة المتورطين في الاعتداء على الممتلكات والأشخاص، مع ضرورة التحقيق في أي شبهات تتعلق بالتنظيم أو التمويل أو الاستغلال السياسي على أساس الأدلة لا الافتراضات.

ولفت إلى أن استمرار الاحتجاجات يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة صعبة، تتمثل في ضرورة احتواء الغضب الشعبي من خلال تحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية من جهة، ومنع اتساع أعمال العنف من جهة أخرى.

الروسان: معالجة أسباب الاحتجاجات مفتاح استقرار أوروبا

وفي تقديره، قال الروسان إن ما تشهده أوروبا لا يمثل بالضرورة حركة موحدة تقودها جهة واحدة، بل يعبر عن تداخل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتفاوت حدتها من دولة إلى أخرى، مشيراً إلى أن الصراعات الدولية واضطرابات الطاقة أسهمت في زيادة الضغوط، لكنها لا تفسر وحدها طبيعة الحراك أو دوافع جميع المشاركين.

وأكد أن الاختبار الحقيقي أمام الحكومات الأوروبية لا يكمن فقط في قدرتها على إعادة الهدوء إلى الشوارع، بل في قدرتها على معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج، وفي مقدمتها غلاء المعيشة وصعوبة الحصول على السكن وتراجع بعض الخدمات العامة وتزايد الشعور بعدم العدالة.

وأوضح أن نجاح الحكومات في استعادة الثقة وتحسين الظروف المعيشية قد يمكّنها من احتواء الأزمة، في حين أن عدم معالجة هذه الأسباب قد يؤدي إلى تجدد الاحتجاجات واتساع رقعتها.

واختتم الروسان حديثه لـ"التاج" بالتأكيد أن استقرار أوروبا في المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بقدرة حكوماتها على التمييز بين المطالب الاجتماعية المشروعة ومحاولات التخريب والفوضى، وإدارة التوازن بين الأمن والحرية والعدالة الاجتماعية، في بيئة دولية تزداد اضطراباً وتتزايد فيها كلفة الأزمات الخارجية على الداخل الأوروبي




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى