الطراونة يكتب: عَمّان لم تولد عاصمةً… لكنّها صنعت مجدها! فمن المستفيد من نبش الماضي اليوم؟
التاج الإخباري -
بقلم: د.علي الطراونةليست المشكلة أن نتحدث عن تاريخ عمّان، ولا أن نستعيد صور الماضي، فالتاريخ ذاكرة الشعوب، ومن لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يفهم حاضره أو يستشرف مستقبله. لكن المشكلة تبدأ حين يُنتزع كلام من سياقه، أو يُعاد نشر حديث قديم لشخص رحل عن الدنيا منذ سنوات، ليصبح مادةً لإثارة الجدل والانتقاص من مدينة احتضنت الأردنيين جميعًا، وكانت ولا تزال عنوانًا للدولة وكرامة الوطن.
وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا الآن؟ ولماذا هذا التوقيت تحديدًا؟ وما الغاية من إعادة نشر أحاديث قديمة عن عمّان وكأن تاريخها أصبح تهمةً يجب الدفاع عنها؟
لقد رحل الفنان الأردني نبيل المشيني عام 2019، رحمه الله، فلماذا يُعاد تداول حديث منسوب إليه عن عمّان اليوم؟ وهل المقصود استعادة ذكرى فنية، أم توظيف كلام قديم في جدل جديد؟ لا نجزم بنوايا أحد، لكن من حقنا أن نتساءل عن توقيت النشر وسياقه، وأن نرفض تحويل تاريخ مدننا إلى مادة للسخرية أو المزايدة.
يا سادة، عمّان لم تكن يومًا مطالبة بالاعتذار عن ماضيها، والأردن ليس مضطرًا إلى تبرير تاريخه لأحد!
نعم، كانت عمّان في مراحل من تاريخها قريةً صغيرة، وكانت بيوتها بسيطة وشوارعها محدودة، وكانت الحياة فيها تختلف كثيرًا عمّا نراه اليوم. وماذا في ذلك؟ أليست هذه طبيعة المدن في مختلف أنحاء العالم؟ وهل وُلدت العواصم مكتملة العمران، تعج بناطحات السحاب وتزدان بالمباني الفاخرة؟
هل وُلدت عمّان وحدها قريةً صغيرة؟ أم إن السلط وإربد والكرك ومعان وسائر المدن الأردنية مرت بمراحل مختلفة من النمو والتطور؟
بل إن السلط كانت في مراحل تاريخية سابقة مركزًا مهمًا للتجارة والعلم والحياة الاجتماعية. وكانت مدن وقرى أردنية عديدة عامرةً بأهلها، لكل منها مكانتها وحكايتها التي تستحق الاحترام.
فلماذا يُراد تحويل النمو الطبيعي لعمّان إلى مادة للجدل، وكأنها ارتكبت خطيئة لأنها لم تكن مدينةً كبرى منذ نشأتها؟
إن المدن لا تنمو بقرار سحري، ولا تتحول إلى عواصم كبرى في ليلة وضحاها. إنها تنمو بتجمع السكان، وتوافر المياه، وقيام الزراعة والتجارة، وظهور الطرق والأسواق، ثم بتطور المؤسسات والتعليم والخدمات.
كان الناس قديمًا يتجمعون حول مصادر المياه، وكانت الحياة ترتبط بالزراعة وتربية المواشي وأعمال الفلاحة. وكانت مناطق الأغوار، بما تمتلكه من مياه وأراضٍ زراعية ومناخ ملائم، أكثر نشاطًا وحياةً من بعض التجمعات التي أصبحت اليوم مدنًا واسعة. ولم يكن ذلك عيبًا في غيرها، بل انعكاسًا طبيعيًا لظروف الزمان والمكان.
وهكذا كانت عمّان، وهكذا كانت السلط، وهكذا كانت سائر مدننا. لكل منها حكايتها وظروفها ومكانتها في وجدان الأردنيين.
فما العيب في أن تكون عمّان قريةً بالأمس، ثم تصبح عاصمةً اليوم؟ أليس هذا دليلًا على قدرة الإنسان على البناء، وعلى أن العمل والاستقرار قادران على تغيير وجه الحياة؟
ثم إن دولًا خليجية عديدة شهدت قيام دولها الحديثة واستقلالها في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن أبرز المحطات قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971. ومع ذلك، لا يقيس العقلاء قيمة الدول بحجم مبانيها في مرحلة من مراحل التاريخ، ولا ينتقصون من شأنها لأنها لم تكن على صورتها الحالية قبل عقود.
فكيف نقبل لأنفسنا أن نستخدم ماضي عمّان البسيط للانتقاص منها، ونحن نعرف أن التطور سنة الحياة؟
الأردن لم يكبر بمساحته… بل كبر بإنسانه وقيادته
نعم، كان الأردن محدود المساحة والموارد، وكانت التحديات التي واجهته أكبر من إمكاناته في مراحل كثيرة. لكنه امتلك ما هو أثمن من الثروات الطبيعية: الإنسان الأردني، وإرادة البناء، ومؤسسات الدولة، وقيادةً عملت على ترسيخ الاستقرار ومواصلة التطوير رغم صعوبة الظروف.
لم يكن الأردن بلدًا غنيًا بالنفط والغاز، ومع ذلك استطاع أن يبني مؤسسات راسخة، ويطوّر التعليم والصحة والخدمات، ويحافظ على حضوره السياسي والإنساني في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
لقد كبر الأردن بعقول أبنائه وعرق العامل والفلاح والجندي والمعلم والطبيب والمهندس، وبجهود أجيال آمنت بأن الوطن لا يُقاس بما يملكه من ثروات فحسب، بل بما يستطيع أبناؤه أن يصنعوه بما لديهم من إرادة وعزيمة.
وكبر بقيادة هاشمية حملت مسؤولية الدولة عبر مراحل صعبة، وبشعب عرف كيف يتمسك بأرضه وهويته، ويحافظ على استقراره رغم التحديات.
هذه هي الحكاية التي تستحق أن تُروى عن الأردن؛ حكاية البناء لا التندر، وحكاية الإنجاز لا اجتزاء الكلام، وحكاية شعب صنع من محدودية الإمكانات دافعًا للعمل والإبداع.
وماذا عن الكائنات التي كانت في عمّان؟
إذا كان الحديث عن وجود الكلاب أو الحيوانات في عمّان قديمًا يراد به تصوير حياة القرية كما كانت، فذلك أمر لا يستحق كل هذا الجدل. فقد كانت الحيوانات جزءًا طبيعيًا من حياة المجتمعات الريفية، وكانت الطبيعة أقرب إلى حياة الناس اليومية.
لكن السؤال: هل كانت عمّان وحدها كذلك؟ وهل كانت القرى والمدن الأخرى خاليةً من الحيوانات؟ وهل كانت التجمعات السكانية في بلادنا تعج بالبيوت الفاخرة والشوارع المعبدة منذ مئات السنين؟
بالطبع لا.
فحتى اليوم، ما زالت بعض المناطق الريفية والجبلية والصحراوية موطنًا لحيوانات برية، بحسب طبيعة المنطقة وبيئتها. فلماذا يُراد تحويل صورة من الماضي إلى وسيلة للانتقاص من حاضر مدينة؟
إن عمّان التي كانت قريةً في مرحلة من تاريخها أصبحت اليوم عاصمةً تضم مؤسسات الدولة والجامعات والمستشفيات والأسواق والمراكز الثقافية والاقتصادية، وتستقبل أبناء الأردن من شماله وجنوبه، كما تستقبل ضيوفًا من مختلف أنحاء العالم.
فلا تعيّروا مدينةً بماضيها، بل انظروا إلى ما صنعه أهلها من ذلك الماضي.
عمّان ليست ضد السلط، ولا السلط ضد عمّان
من الخطأ أن يتحول الحديث عن تاريخ المدن إلى منافسة لا طائل منها. فلا تنتقص قيمة مدينة لأن ظروفها التاريخية جعلتها تنمو في وقت مختلف، ولا تحتاج مدينة إلى الانتقاص من أخرى لإثبات مكانتها.
السلط لها تاريخها وتراثها العريق، وإربد لها دورها العلمي والاقتصادي، والكرك ومعان لهما مكانتهما التاريخية والوطنية، والأغوار لها دورها الزراعي والإنساني، وسائر المدن والقرى الأردنية لها حكاياتها التي نعتز بها.
وعمّان، بما أصبحت عليه اليوم، لم تأخذ من هذه المدن قيمتها، كما أن هذه المدن لا تحتاج إلى الانتقاص من عمّان لإثبات مكانتها.
الأردن ليس عمّان وحدها، لكنه لا يكون الأردن الذي نعرفه إذا انتقصنا من عمّان أو من أي مدينة أردنية أخرى.
نحن شعب واحد، وتاريخنا متصل، وإن اختلفت مراحل النمو بين منطقة وأخرى. وما يجمعنا أكبر بكثير مما قد تثيره بعض المنشورات العابرة من خلافات ومناكفات.
لماذا ننبش الماضي بهذه الطريقة؟
السؤال ليس: هل كانت عمّان قرية؟ فهذه حقيقة لا ينكرها أحد. السؤال هو: لماذا تُستحضر هذه الحقيقة أحيانًا بطريقة توحي بأن تاريخ المدينة موضع سخرية، أو بأن الأردن الذي نعرفه اليوم لا يستحق مكانته؟
ولماذا يعاد نشر كلام قديم بعد سنوات من وفاة صاحبه، من دون توضيح سياقه الكامل، ثم يُترك للناس أن يتجادلوا حوله؟
قد تكون هناك أسباب مختلفة وراء إعادة نشر المواد القديمة، من الحنين إلى الماضي إلى الرغبة في جذب الانتباه وإثارة التفاعل. لكن لا يصح أن ننسب نوايا محددة إلى أحد دون دليل. وفي المقابل، من حقنا أن نطالب بالتوثيق واحترام السياق، وألا تُستخدم أسماء الراحلين في جدالات لا نعرف إن كانت تعكس مقاصدهم أصلًا.
نحترم حق الجميع في إبداء الرأي، لكننا نرفض أن يصبح تاريخ وطننا مادةً للتهكم، أو أن تُستخدم ذاكرة مدنه لإثارة المزايدات.
وإذا كان لدى أحد نقد حقيقي لمسيرة التنمية أو أداء المؤسسات، فليطرحه بالوقائع والأرقام، وليقدم البدائل والحلول. أما اجتزاء حكاية قديمة عن قرية أو شارع أو حيوان وتحويلها إلى قضية وطنية، فلا يضيف معرفةً إلى التاريخ ولا فائدةً إلى المواطن.
الأردن أكبر من منشور، وأعظم من جدل عابر
يا أبناء الأردن، لا تسمحوا لمنشور عابر أن يختزل تاريخ وطنكم، ولا تجعلوا من اختلاف مراحل تطور المدن سببًا للتناحر بينها. إن قوة الأردن في وحدته، وفي احترامه لتاريخه، وفي قدرته على الاعتراف بماضيه والفخر بحاضره، مع مواصلة العمل والإصلاح.
نحن لا ننكر أن عمّان كانت بسيطة، بل نعتز بأن هذه المدينة استطاعت أن تنمو وتتطور. ولا ننكر شح الموارد، بل نفخر بما أنجزه الأردنيون رغم ذلك. فمعالجة الأخطاء تكون بالعمل والإصلاح، لا بالتشكيك في قيمة الوطن أو السخرية من تاريخه.
لقد علّمتنا التجربة أن المدن العظيمة ليست تلك التي بدأت عظيمة، بل تلك التي صنع أبناؤها عظمتها مع مرور الزمن.
وعمّان واحدة من هذه المدن؛ مدينة كبرت بأهلها، واتسعت بأحلامهم، واحتضنت أبناء المحافظات كافة، وأصبحت رمزًا للدولة الأردنية الحديثة.
فإذا كانت عمّان بالأمس قريةً صغيرة، فإنها اليوم عاصمة وطن لم يصنع مكانته باتساع الأرض أو وفرة الثروات، بل بعزيمة شعبه وتماسك مجتمعه وحرصه على الاستقرار والبناء.
ومن لا يرى في رحلة الأردن من البساطة إلى الإنجاز قصةً تستحق الفخر، فليعد إلى التاريخ بعين الإنصاف، لا بعين الانتقاص.
حفظ الله الأردن، أرضًا وسماءً، مدنًا وقرى، شعبًا وقيادةً، وحفظ عاصمتنا عمّان وسائر محافظاتنا من كل سوء.
وحفظ الله جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق أبناءه إلى مزيد من البناء والازدهار.
عاش الأردن عزيزًا كريمًا، وعاشت عمّان وسائر مدننا الأردنية شامخةً بأهلها وتاريخها.
فالأوطان لا تُقاس بصغر بداياتها، بل بعظمة ما يصنعه أبناؤها.
الرجاء الانتظار ...