الذكاء الاصطناعي ليس للجميع .. شركات عالمية تحصر أدواته بكبار الموظفين

التاج الإخباري -

في وقت تتسابق فيه معظم المؤسسات حول العالم لتزويد كافة كوادرها بأحدث التقنيات، تعتمد شركات عالمية إستراتيجية مغايرة تقوم على مبدأ أن الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي ليس حقاً متاحاً للجميع. 

وتقود شركة "بايسند" (Paysend) البريطانية لتقنية المدفوعات هذا التوجه عبر حصر استخدام نماذج الأتمتة والذكاء الاصطناعي بنخبة الموظفين وكبار الكفاءات فقط، واشترطت عليهم إثبات قدرتهم على تحقيق قيمة فعلية ملموسة قبل منحهم صلاحيات الوصول والتصريح. بحسب شبكة "CNBC". 

وينطلق بن تشيسيل، الرئيس التنفيذي للشركة والمسؤول السابق في عملاق التجزئة "أمازون" وموقع "إيباي" وبنك "ستارلينغ"، من موقف يتسم بالشك والريبة تجاه الضجة المثارة حول الأتمتة، محذراً من الاستسلام لما يسمى بـ"الخوف من فوات الفرص". 

ورغم إقراره بقيمة التقنية وتسجيل شركته زيادة بـ 25% في كفاءة الإنجاز الهندسي باستخدام فريق العمل ذاته، يصر تشيسيل على أن تزويد الموظفين بالتقنيات دون ضوابط يمنح شعوراً زائفاً بالإنجاز، وقد يتسبب في تفاقم عادات سلبية كالتراخي والكسل وضعف اتخاذ القرارات الصائبة، مؤكداً أن الإستراتيجية الأهم تكمن في التركيز الصارم على معالجة المشكلات الحقيقية للعملاء.

تضارب الأرقام والاستثمارات
تتقاطع هذه الفلسفة الحذرة مع توجه كبرى المؤسسات المالية والمهنية في بريطانيا التي سارعت لفتح الباب أمام هذه التكنولوجيا، إذ أعلنت مجموعة "لويدز" المصرفية عن توفير 40 ألف ترخيص لبرنامج Microsoft 365 Copilot، مؤكدة أن 97% من الموظفين الحاصلين عليها يستخدمونها بالفعل.

كما أفادت شركة البرمجيات "سايج" بأن أدوات البرمجة الذكية وفّرت مئات الآلاف من ساعات العمل، في حين شجعت شركة الخدمات المهنية "غرانت ثورنتون" جميع كوادرها على دمج نموذج "كلود" من شركة "أنثروبيك"، ضمن استثمار ضخم بلغت قيمته نحو 660 مليون دولار (500 مليون جنيه إسترليني).

غير أن هذه الاستثمارات والأرقام المرتفعة لا تترجم بالضرورة إلى نمو في الأرباح، فقد كشف بحث أجرته الحكومة البريطانية نُشر في يناير/كانون الثاني عن مفارقة لافتة، تتلخص في أن ثلاثة أرباع الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي أفادت بتحسن إنتاجية القوة العاملة، بينما أكد 77% منها أن إيراداتهم المالية لم تشهد أي تغيير.

وفي هذا الصدد، يؤيد لوكديب سينغ، الرئيس التنفيذي لشركة "يونايلي" لبرمجيات المؤسسات، فكرة تخصيص الذكاء الاصطناعي ذوي الأداء العالي بوصفه "قوة خارقة" لتوسيع نطاق الطموحات، منتقداً توجه بعض القطاعات لاستغلاله لمجرد خفض التكاليف وتسريح العمالة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

آليات قياس القيمة 
لتفادي الوقوع في فخ التكلفة بلا عائد، تفرض "بايسند" على الموظفين الجدد مهلة اختبار مدتها شهر واحد لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتوضيح القيمة المتحققة منها قبل اعتمادها رسمياً.

وطبقت الإدارة هذه السياسة مؤخراً مع مسؤول جديد عن تحسين محركات البحث (SEO) كان طلب الوصول إلى نموذج "كلود"، ليعلن الموظف بعد شهر استغناءه عن النموذج العام واقتراحه تطوير أداة ذكاء اصطناعي مخصصة فقط لإنشاء موجزات المحتوى، وهو المشروع الذي يعمل عليه حاليًّا.

على الجانب الآخر، كانت تجربة شركة "كور فيو" للبرمجيات أكثر اندفاعاً، حيث كشف رئيسها التنفيذي سيمون أزوباردي عن تعميم التقنية على جميع مهندسي البرمجيات لتسهيل تحليل البيانات، وإعداد الوثائق، وتسريع دمج المطورين الجدد عبر فرق من وكلاء الذكاء الاصطناعي؛ ما أتاح إنجاز مهام كانت تستغرق أسابيع في غضون أيام قليلة.

ومع ذلك، حذّر أزوباردي من أن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهام تقع خارج نطاق خبرة الموظف المباشرة يُنتج أعمالاً غير مثمرة ويمنح انطباعاً كاذباً بالكفاءة، مشيراً إلى أن شركته، عند تعاقدها مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، عمدت إلى توسيع إنتاجيتها وتوظيف كوادر جديدة بدلاً من تسريح العمالة.

مصير الموظف البشري
ومع تولي الآلة لمهام واسعة، يرى بن تشيسيل أن مستقبل الشركات وازدهارها يعتمدان على مساعدة الموظفين على الانتقال إلى أدوار إدارية ووظيفية جديدة بدلاً من استبدالهم، لافتاً إلى أن العاملين في قطاعات مثل خدمة العملاء صقلوا مهارات متقدمة في حل المشكلات المعقدة على مدار سنوات، وهي خبرات بشرية لا يمكن التخلي عنها.

ويشدد تشيسيل في ختام طرحه على أن التكنولوجيا يجب ألا تحل محل المسؤولية، قائلاً: "وجود الإنسان في حلقة العمل لا يعني وضعه في خانة "نسخة إلى" (CC) في المراسلات، بل يجب عليه تحمل المسؤولية كاملة عن مخرجات العمل".



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى