يدٌ حانية ويدٌ عاملة .. كيف تسهم المرأة الريفية في حماية غذاء الأردنيين؟
التاج الإخباري -
لينا الناصر.قال مستشار الأمن الغذائي د.مطيع الشبلي إن اليوم الدولي للمرأة الريفية يشكّل مناسبة لإعادة النظر في الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تؤديه المرأة الأردنية في القرى والأرياف، وعدم حصره في إدارة شؤون الأسرة، بل النظر إليها بوصفها شريكًا في منظومة الأمن الغذائي والحفاظ على التنوع الغذائي والزراعي وإدارة الموارد.
وأضاف في حديثه لـ "التاج الإخباري"، الخميس، أن المرأة الريفية تسهم في مراحل متعددة من العمل المرتبط بالغذاء، تشمل الإنتاج الزراعي، وإعداد الطعام وحفظ المحاصيل، وتصنيع المنتجات الغذائية منزليًا، ونقل المعارف المتوارثة، وترشيد الاستهلاك والحد من الهدر.
وأشار إلى أن جانبًا من هذا العمل يُنجز من دون مقابل مالي مباشر، ما يجعل قيمته أقل ظهورًا في المؤشرات التقليدية التي تركز على الأجور والدخل النقدي، رغم إسهامه في تلبية الاحتياجات الغذائية للأسرة والاستفادة من الموارد المتاحة.
وبيّن الشبلي أن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تشير إلى مشاركة النساء في مختلف مراحل سلاسل القيمة الزراعية والغذائية، بما يشمل الإنتاج والتصنيع والتجارة وريادة الأعمال وإدارة الموارد الطبيعية، لافتًا إلى أن بعض هذه الأدوار لا يحظى بالاعتراف الكافي اقتصاديا، ولا سيما عندما يُؤدى من دون أجر.
وأكد أن الاحتفاء بالمناسبة ينبغي ألا يقتصر على الجانب الرمزي، بل أن يترجم إلى سياسات وبرامج تعترف بمساهمة المرأة الريفية وتوسّع فرصها الاقتصادية ومشاركتها في صنع القرار.
العمل غير المدفوع .. قيمة اقتصادية تحتاج إلى قياس
وأوضح الشبلي لـ "التاج" أن العمل الذي تؤديه المرأة في تدبير الغذاء داخل الأسرة يحمل قيمة اقتصادية فعلية، إذ يشمل التخطيط للمشتريات، وإعداد الوجبات، وحفظ المحاصيل الموسمية، وتحضير المنتجات الغذائية المنزلية، وهي أنشطة تساعد على تلبية احتياجات الأسرة وتجنب بعض النفقات الإضافية.
وأشار إلى إمكانية تقدير قيمة هذا العمل باستخدام "منهج تكلفة الإحلال"، الذي يقيس تكلفة الاستعانة بشخص آخر لأداء المهام نفسها، أو "منهج تكلفة الفرصة البديلة"، الذي يقدّر القيمة التي كان يمكن تحقيقها لو خُصص الوقت لنشاط آخر مدفوع الأجر.
وضرب الشبلي مثالًا توضيحيًا على ذلك، مبينًا أن تخصيص ثلاث ساعات يوميًا لهذه المهام يعادل نحو 1,095 ساعة سنويًا، ويمكن تقدير قيمتها بضرب عدد الساعات في قيمة مناسبة لأجر الساعة مقابل العمل المماثل.
وشدد على أن هذا المثال يقدّر القيمة الاقتصادية للوقت والجهد، ولا يعني أن المرأة حصلت فعليًا على المبلغ الناتج دخلًا نقديًا. كما يتطلب تطبيق هذه المنهجيات تجنب احتساب النشاط نفسه مرتين، والتمييز بين العمل المنزلي غير المدفوع والعمل الزراعي أو التجاري الذي يُؤدى مقابل أجر أو يحقق دخلًا.
وأكد أن الوصول إلى تقديرات وطنية أكثر دقة يتطلب إجراء مسوح لاستخدام الوقت، تحدد عدد الساعات التي تخصصها النساء للمهام المنزلية المرتبطة بالغذاء وطبيعة هذه الأنشطة، إلى جانب اعتماد منهجية واضحة لتقييمها.
ولفت إلى أن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية توفر بيانات عن المرأة تشمل المشاركة الاقتصادية والتشغيل والبطالة والخصائص الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن تقدير قيمة العمل الغذائي المنزلي غير المدفوع يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلًا عن الوقت المخصص لهذه المهام، وآلية محددة لاحتساب قيمتها المالية.
المعارف الغذائية المحلية.. خبرات مهددة بالاندثار
وبيّن الشبلي لـ"التاج" أن المرأة الريفية تؤدي دورًا في الحفاظ على المعارف المحلية المرتبطة بالزراعة والغذاء، بما يشمل معرفة المواسم الزراعية، واختيار البذور، وحفظ المحاصيل، وتجفيف المنتجات، وتصنيع الأغذية التقليدية والاستفادة من المحاصيل بحسب مواسم إنتاجها.
وأوضح أن تنوع البيئات الزراعية في الأردن ينعكس على المحاصيل والمنتجات المحلية والعادات الغذائية من منطقة إلى أخرى، ما يجعل هذه المعارف جزءًا من الخبرة العملية المتراكمة في المجتمعات الريفية، والمرتبطة بظروف الإنتاج المحلي وطرق حفظ الغذاء والتعامل معه.
وحذّر من أن فقدان هذه الخبرات التي يتجاوز تراجع الأطباق التقليدية وقد يؤدي إلى تراجع ارتباط الأجيال الشابة بالأصناف المحلية، وتقليص فرص الاستفادة من الموارد الغذائية المتاحة في البيئة المحلية، فضلًا عن ضياع المعرفة العملية المتعلقة بحفظ المنتجات وتصنيعها والاستفادة منها خلال المواسم المختلفة.
ودعا الشبلي عبر "التاج" إلى توثيق هذه المعارف وربطها بالبرامج الزراعية والتعليمية، وتشجيع الفتيات على تعلمها وتطويرها، بما يضمن انتقالها بين الأجيال بدلًا من بقائها خبرات فردية معرضة للتراجع.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة اقتصاديًا من جانب من هذا الموروث عبر تطوير المنتجات المحلية وتحسين جودتها وتعبئتها وتسويقها، ودعم التعاونيات والمشروعات الصغيرة والسياحة الريفية المرتبطة بها، بما يتيح فرصًا لزيادة دخل النساء مع الحفاظ على أصالة المنتجات والمعارف التي تقوم عليها.
ابتعاد الشابات عن الزراعة.. تحديات اقتصادية ومعرفية
وأشار الشبلي إلى أن تراجع إقبال بعض الشابات في الريف الأردني على العمل في القطاع الزراعي يمثل تحديًا تنمويًا، خصوصًا عندما يرتبط بضعف العائد الاقتصادي، وصعوبة الوصول إلى التمويل والأسواق، ومحدودية فرص التدريب، والأعباء الأسرية، وعدم توافر فرص عمل ريفية مستقرة.
وأوضح أن استمرار هذه التحديات قد يقلل مشاركة النساء في الأنشطة الزراعية والغذائية التقليدية، ويضعف انتقال الخبرات المحلية من جيل إلى آخر، بما فيها المعارف المتعلقة بالمحاصيل وطرق حفظها وتصنيعها.
وأكد أن جعل الزراعة أكثر جاذبية للشابات يتطلب توسيع الفرص المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال، بما يشمل الزراعة الذكية، وتصنيع الأغذية، والتسويق الإلكتروني، وإدارة المشروعات الزراعية، وتطوير المنتجات المحلية.
ولفت إلى أهمية توفير التدريب والتمويل والإرشاد الزراعي، وتحسين الوصول إلى الأسواق، لمساعدة الشابات على تحويل مهاراتهن ومعارفهن إلى أنشطة اقتصادية أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ووزارة الزراعة أطلقتا في 16 أيار 2023 مشروعًا لتعزيز الصمود وسبل العيش والأمن الغذائي للمجتمعات الريفية من خلال المنتجات الحرجية.
وبيّن أن المشروع يوضح إمكانية بناء فرص اقتصادية اعتمادًا على الموارد المحلية، مشددًا على أهمية تقييم نتائجه من حيث أثره في دخل النساء، وفرص العمل، واستدامة الإنتاج. كما أكد ضرورة إشراك الشابات في تصميم البرامج الموجهة إليهن، لضمان استجابتها لاحتياجاتهن والتحديات التي يواجهنها.
هدر الغذاء في الأردن .. 81.3 كيلوغرامًا للفرد سنويًا
وقال الشبلي لـ"التاج" إن وزارة الزراعة الأردنية نشرت في أيلول 2026 نتائج الدراسة الوطنية لقياس هدر الغذاء لعامي 2024 و2025، التي أُجريت بالتعاون مع دائرة الإحصاءات العامة وبرنامج الأغذية العالمي، وأظهرت أن القطاع المنزلي يُعد المصدر الأكبر لهدر الغذاء.
وأوضح أن متوسط هدر الغذاء يبلغ نحو 81.3 كيلوغرامًا للفرد سنويًا، فيما يصل إجمالي الغذاء المهدور على المستوى الوطني إلى نحو مليون طن سنويًا. وتشكل الخضراوات 40.2 بالمئة من إجمالي الهدر، والفواكه 32.4 بالمئة.
وأشار الشبلي إلى أن الممارسات اليومية داخل الأسرة، ومنها التخطيط للمشتريات والوجبات، والتعامل مع الغذاء وحفظه، يمكن أن تسهم في الحد من الهدر. كما يمكن للمرأة الريفية أن تؤدي دورًا في هذا الجانب من خلال إدارة الغذاء داخل الأسرة، والاستفادة من المنتجات الموسمية، وحفظ بعض الأغذية، والتعامل مع الفائض الصالح للأكل بما يقلل من التخلص منه.
وبيّن أن الحد من هدر الغذاء لا يرتبط بالمرأة وحدها، بل يتطلب مشاركة أفراد الأسرة جميعًا في ترشيد الاستهلاك والحد من إهدار الطعام
ودعا الشبلي إلى الإستفادة من هذه النتائج في تصميم حملات توعوية وطنية تستهدف الأسر وتطوير برامج تدريبية في التخطيط الغذائي والتخزين السليم وتشجيع المبادرات المجتمعية التي تستفيد من فائض الغذاء الصالح للاستهلاك
من قياس العمل غير المدفوع إلى دعم المشروعات المحلية
وأكد الشبلي أن تعزيز دور المرأة الريفية في الأمن الغذائي يتطلب الانتقال من الاعتراف بمساهمتها إلى اتخاذ خطوات عملية تدعمها اقتصاديًا، وتحافظ على معارفها وخبراتها، وتوسّع فرص مشاركتها في الأنشطة الزراعية والغذائية. وحدد في هذا السياق خمسة مسارات رئيسية:
أولًا: قياس العمل غير المدفوع
تطوير آليات وطنية لقياس العمل غير المدفوع الذي تؤديه المرأة في إدارة الغذاء داخل الأسرة، بما يساعد على تقدير قيمته الاقتصادية وإظهار مساهمته.
ثانيًا: الحفاظ على التراث الغذائي
توثيق المعارف الغذائية والزراعية المحلية التي تمتلكها النساء الريفيات، والحفاظ عليها وضمان انتقالها إلى الأجيال الجديدة.
ثالثًا: تمكين الشابات الريفيات
توفير التدريب والتمويل والإرشاد للشابات في المناطق الريفية، وتحسين فرص وصولهن إلى الأسواق، بما يدعم مشاركتهن في الأنشطة الزراعية والغذائية.
رابعًا: دعم التعاونيات والمشروعات الصغيرة
دعم التعاونيات والمشروعات الصغيرة في مجالات تصنيع المنتجات المحلية وتعبئتها وتسويقها، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها.
خامسًا: الحد من هدر الغذاء
تعزيز ممارسات الاستهلاك المسؤول، وتحسين التخطيط للمشتريات والوجبات وطرق تخزين الغذاء، للحد من الهدر وتحسين الاستفادة من الموارد.
كما أشار الشبلي لـ"التاج" الشبلي إلى أهمية التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية والتدريبية والتعاونيات النسائية في المناطق الريفية، من خلال الدراسات التطبيقية والتدريب وريادة الأعمال
تمكين المرأة الريفية يبدأ بالاعتراف بمساهمتها
وخلص الشبلي إلى أن المرأة الريفية تسهم في دعم الأمن الغذائي والحفاظ على التنوع الغذائي والزراعي وتحسين استخدام الموارد، بما يعزز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات.
وأكد الشبلي في ختام حديثه لـ"التاج" أن تمكينها يتطلب الاعتراف بعملها غير المدفوع، وصون المعارف الغذائية والزراعية المحلية، وتوسيع فرصها في الإنتاج والتصنيع والتسويق وريادة الأعمال والمشاركة في صنع القرار، بما يضمن تقدير مساهمتها بصورة عملية ومستدامة.
ويُذكر أن الأردن يشارك العالم يوم الخميس، 15 تشرين الأول، الاحتفال باليوم الدولي للمرأة الريفية، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 62/136 عام 2007، لتسليط الضوء على دور المرأة الريفية ومساهمتها في المجتمعات والتنمية
الرجاء الانتظار ...