سفير أردني للتكنولوجيا والتقنيات الرقمية .. توظيف الدبلوماسية للاستقطاب والاستثمار بالذكاء الاصطناعي

التاج الإخباري -

في عام 2017، اتخذت الدنمارك خطوة غير مسبوقة على مستوى العالم بالإعلان عن تعيين أول «سفير للتكنولوجيا» ليمثل مصالحها في وادي السيليكون Silicon Valley، تبعتها بعد ذلك عدد من الدول والكيانات الدولية، منها فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي خصصت مبعوثين اثنين للتكنولوجيا والأنظمة الذكية.

وكان من أهم أهداف هذه الخطوة استخدام «الدبلوماسية التكنولوجية Tech Diplomacy» لتعزيز التحالفات والشراكات بين الجهات المصنعة والدول المصدرة للتقنيات الحديثة، وتوظيف العلاقات الخارجية لتأمين سلاسل التوريد والوصول إلى الرقائق المتقدمة.

ولم تكن هذه الخطوة مجرد رفاهية سياسية أو تبدلًا شكليًا في الأدوار على مستوى العمل الدبلوماسي، بل اعترافًا بواقع جديد بدأ يفرض نفسه على الساحة الدولية، ويتمثل بامتلاك الشركات التكنولوجية العملاقة نفوذًا جيوسياسيًا وموازنات هائلة تتجاوز اقتصاديات عدد من الدول، وبالتالي أصبح التنافس على الخوارزميات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يُدار بمنطق العلاقات الدولية.

وأمام تبدل معادلة قواعد اللعب الدولية وإعادة تشكل النظم الاقتصادية والسياسية والأمنية في عصر الذكاء الاصطناعي، وفي ظل التوجهات الوطنية لتسريع وتيرة التحول الرقمي والطموحات ببناء نموذج ذكاء اصطناعي تحت السيادة والسيطرة المحلية، يجد الأردن نفسه أمام فرصة استراتيجية لاستنساخ فكرة الدبلوماسية التكنولوجية والاستفادة من رصيده ومكانته الإقليمية والدولية، ودراسة تعيين سفير أو مبعوث خاص للرعاية والاستقطاب في مجال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

ولماذا هذه الفكرة؟ باختصار، لمحاولة إيجاد حلول منتجة للتحديات التي تواجهها دولة مثل الأردن في الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي محلية أو فرض نفسه كلاعب إقليمي ودولي في مجال الأنظمة الذكية، فالتحديات معقدة وليست بسيطة وتتعلق بالقيود الصارمة المفروضة على سلاسل توريد الرقائق المتطورة، ومشاكل الطاقة الكهربائية والمياه التي تحتاجها مراكز البيانات للتشغيل وتبريد الخوادم والمعالجات والتي تصل إلى حجم استهلاك ضخم وبما يشكل عبئًا إضافيًا على الموارد الوطنية المستنزفة والنادرة أصلًا، وصولًا إلى الكلف المالية الباهظة لتشغيل النماذج الذكية واستضافتها وتوطينها في الأردن.

وبالتالي قد يمثل وجود سفير للتكنولوجيا حلًا يضاف إلى الجهود الوطنية للتعامل مع هذه التحديات، لا سيما وأن لدينا أرضية صلبة يمكن البناء عليها لترجمة تطلعاتنا التقنية.

الزخم الملكي: القوة الناعمة

المراقب للتحركات الدؤوبة لجلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد الأمير الحسين المعظم بعقد اللقاءات المستمرة مع كبار المستثمرين والقيادات التنفيذية في الشركات التكنولوجية العملاقة في الولايات المتحدة وأوروبا، يتأكد بأن لدينا ميزة استثنائية من المهم استثمارها وتوظيفها والبناء عليها، فهي تفتح أبوابًا مغلقة وتعزز مكانة الأردن كبيئة حاضنة وموثوقة وآمنة للاستثمار التكنولوجي المتقدم.

ويمثل هذا الزخم والجهد الملكي المرموق، رافعة وقوة ناعمة بالغة الأهمية، تستدعي أن يواكبها جهد حكومي تنفيذي وتحويل التفاهمات إلى اتفاقيات واستثمارات تعود بالنفع على الوطن، ومن هنا تبرز أهمية أن يكون لدينا سفير أو مبعوث حصري للتكنولوجيا لمتابعة المخرجات وتعظيمها.

الأدوار المنوطة بالسفير التكنولوجي:

ما دفع الدول المتقدمة لتعيين سفراء في مجال التكنولوجيا ليس فقط القيام بجولات على الشركات الكبرى والدول المنتجة للمواد النادرة التي تحتاجها مراكز البيانات، وإنما صناعة قرار وطني مبني على معلومات توفرها الدبلوماسية التكنولوجية للجهات ذات العلاقة في دولها.

ومن هنا يمكن أن تكون أبرز مهام السفير الأردني للتكنولوجيا العمل كحلقة وصل بشكل رئيسي بين وزارة الخارجية، والاقتصاد الرقمي والمؤسسات الاستثمارية والأجهزة الأمنية، وتعزيز التنسيق بين عمان ومراكز صنع القرار التقني في العالم.

يضاف إلى ذلك تسويق الأردن بالصورة الأمثل دوليًا، فاستقطاب الشركات الكبرى والوصول إلى التقنيات الحديثة لم يعد يخضع لأساليب الترويج التقليدي، وإنما لآليات متطورة تستهدف جذب الاستثمارات ومحاولة بناء مراكز البيانات العملاقة (Data Centers) في الأردن، وتشجيع الشركات على النظر للمملكة كمركز إقليمي مؤهل للبنى التحتية للذكاء الاصطناعي والاستفادة من الكفاءات البشرية النوعية بهذا المجال وتوفير فرص عمل جديدة لهم.

ولا تتوقف المصلحة الأردنية عند حدود التسويق والترويج للشركات الكبرى، وإنما الوصول إلى أهداف أسمى تتمثل في حماية البيانات الرقمية ببناء نماذجنا الذكية للحفاظ على معلوماتنا الحساسة وإخضاعها للسيطرة والسيادة الوطنية، وهو ما قد يساعد بتحقيقه وجود سفير أو جهة دبلوماسية تتولى مسؤولية الجانب التكنولوجي.

بالمجمل، هذه دعوة لصانع القرار للتفكير بعمق بخيارات متاحة، فالدبلوماسية التكنولوجية هي خطوة نحو المستقبل لإكمال الرؤى الملكية السامية، ويمكن أن يتولى المهمة شخصية مؤهلة يدعمها من الخلف نخب تجمع بين الفهم العميق للتقنية والخبرة في العلاقات الدولية والأمن الوطني، وكل ذلك لضمان حجز موقع متقدم للأردن في عصر الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى