تعرفوا كيف تُحسم المنافسة على الوظيفة القيادية العليا بالحكومة

التاج الإخباري -

لم تعد التعيينات في الوظائف القيادية العليا في الأردن، مجرد قرارات إدارية تنتهي بالإعلان عن اسم شاغل الوظيفة، بل أصبحت جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الإدارة العامة، عنوانه المعلن، اختيار القيادات على أساس الكفاية والجدارة والتنافس، وربط شغل الموقع القيادي بمنظومة من المعايير والأداء والمساءلة.


ففي العام الحالي، بدأت هذه المنظومة تظهر بصورة أكثر وضوحاً في الممارسة، مع استمرار الإعلان عن وظائف قيادية وإجراء الفرز والمقابلات، وصدور قرارات تعيين، قالت الحكومة إنها جرت بعد حصول أصحابها على أعلى العلامات في مسابقات عقدت وفق نظام القيادات الحكومية.
وكان مجلس الوزراء، عين مدير عام الهيئة البحرية بعد حصوله على أعلى العلامات في مسابقة أجريت وفق نظام القيادات الحكومية، بينما شهد العام الحالي أيضاً تعيين مدير عام مؤسسة التدريب المهني بعد حصوله على أعلى العلامات في مسابقة مماثلة. كما أعلن عن نتائج الفرز الأولي لوظائف قيادية مثل مدير عام دائرة الأراضي والمساحة، وأمين عام وزارة الإدارة المحلية، وأمين عام المركز الوطني لمكافحة الأوبئة، وأمين عام وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية للتخطيط والدعم المؤسسي.

هذه الحالات، تجعل ملف التعيينات القيادية ترجمة واقعية لما تعمل الحكومة وفقه، وصولاً إلى: هل تتحول المسابقة من إجراء لاختيار شاغل الوظيفة إلى آلية مؤسسية جديدة لاختيار القيادات الحكومية؟
من التعيين إلى منظومة متكاملة
أقر مجلس الوزراء نظام القيادات الحكومية رقم 70 لسنة 2024 ضمن متطلبات خريطة تحديث القطاع العام، بهدف بناء منظومة لإدارة القيادات الحكومية وتمكينها، وإعداد قيادات مستقبلية من ذوي الأداء المتميز والإمكانات القيادية، مع الاستثمار بتدريبهم وتأهيلهم وتنويع خبراتهم. كما شمل النظام وظائف المجموعة الثانية من الفئة العليا بمعايير لتقييم الأداء ومؤشرات تحدد سنوياً.
ثم جاءت تعديلات العام 2025 على النظام، لتوسيع قاعدة الوصول للوظائف القيادية، عبر توسيع نشر إعلانات الاستقطاب واستخدام الوسائل الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي الرسمية للبعثات الأردنية في الخارج، إلى جانب توظيف التكنولوجيا في فرز الطلبات، وتعزيز الدور الرقابي لهيئة الخدمة والإدارة العامة، والفصل بين لجنتي الفرز والاعتراض.
كما أتاح النظام إجراء المقابلات عن بعد، واستخدام العرض المرئي والحالات الدراسية ضمن أدوات تقييم المرشحين. فالمسار لم يعد يبدأ من لحظة المقابلة، بل يفترض به أن يبدأ من تعريف الوظيفة نفسها، مروراً بالإعلان والاستقطاب والفرز والتقييم والمقابلة، وصولاً إلى التعيين ثم تقييم الأداء.
وعموماً، فهذا النهج جوهري في الإصلاح الإداري؛ لأن اختيار الشخص المناسب لا يبدأ فقط من المفاضلة بين أسماء جاهزة، وإنما من تحديد ما تحتاجه المؤسسة أصلاً من قيادات.
الحلقة التي تسبق اختيار الشخص
ومن أبرز تعديلات النظام، تعزيز حوكمة إعداد واعتماد الأوصاف الوظيفية للوظائف القيادية العليا، بحيث تعدها الجهة المختصة وتعتمدها هيئة الخدمة والإدارة العامة، بما يضمن انسجامها مع التشريعات والسياسات والأدلة المعتمدة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة، في أنها تنقل الحالة في التعيين "من نريد أن نعين؟، إلى أمر أكثر أهمية وهو: ما الذي تحتاجه الوظيفة"؟ فإذا كان الموقع مديراً عاماً لمؤسسة ذات طبيعة مالية أو اقتصادية، تختلف الكفايات المطلوبة عن مدير مؤسسة بحثية أو صحية أو خدمية، وكلما أصبح الوصف الوظيفي أكثر تحديداً، يصبح بالإمكان المقارنة بين المرشحين على أساس متطلبات الوظيفة نفسها، لا على أساس السمعة أو الخبرة العامة وحدها.
لكن نجاح هذه المنظومة، يرتبط بمدى دقة الأوصاف الوظيفية وقابليتها للقياس، وبمدى ارتباطها الفعلي بالمعايير التي تستخدمها لجان الفرز والمقابلات.
100 علامة.. كيف تجري المفاضلة؟
ينص النظام على أن المفاضلة بين المتقدمين للوظيفة القيادية العليا، تجري وفق نموذج تعده الهيئة، وبحد أقصى 100 علامة، وينال النجاح من يحصل على 60 % فأكثر. كما يتضمن النظام آلية إحصائية لمعالجة العلامات في المقابلات، عبر حذف أعلى وأدنى علامتين، وإعادة احتساب المعدل وفق ضوابط محددة.
تكتسب هذه الآلية الأهمية، لأنها تحاول الحد من تأثير العلامة الفردية وتحويل المقابلة من انطباع شخصي إلى عملية أكثر قابلية للضبط، لكن الرقم بحد ذاته لا يحسم المسألة، وما يتوجب التركيز عليه هو: ما الذي تشكله هذه العلامة من حيث الوزن النسبي للخبرة، والمؤهل العلمي، والكفايات الفنية، والقيادة، والإنجازات السابقة، والقدرة على حل المشكلات، والرؤية المستقبلية، والأداء في المقابلة أيضاً؟
فكلما كانت الأوزان والمعايير أكثر وضوحاً وقابلية للتدقيق، زادت قدرة النظام على إقناع المتنافسين والجمهور بأن المفاضلة جرت على أساس موضوعي.

فصل الفرز عن الاعتراض
ومن التعديلات اللافتة أيضاً، الفصل بين لجنتي الفرز والاعتراض، بحيث لا تتولى اللجنة التي فرزت الطلبات نفسها، النظر في الاعتراضات عليها، بينما ترى الحكومة أن هذا الفصل يعزز الحوكمة والشفافية، وهي ليست مسألة إجرائية صغيرة؛ فالاعتراض يمثل إحدى أهم حلقات الثقة في أي نظام تنافسي.
كما أن وجود مسار واضح للاعتراض، مع جهة مختلفة تنظر فيه، يمنح المتقدم الذي استبعد في المرحلة الأولية، فرصة لمعرفة ما إذا كان الاستبعاد مرتبطاً فعلاً بعدم استيفاء الشروط من غيره. وقد ظهر هذا المسار عملياً في إعلانات الفرز الأولي العام الحالي، إذ أتيح للمتقدمين ممن لم تنطبق عليهم الشروط، أو لم يستكملوا متطلبات التقديم، تقديم اعتراضاتهم إلكترونياً خلال مدة محددة.
هل اتسعت قاعدة المتقدمين؟
لعل إحدى أهم الغايات التي أعلنتها الحكومة عند تعديل النظام، توسيع قاعدة المتقدمين، إذ إن الإعلان الإلكتروني، واستخدام وسائل التواصل الرسمية، وإتاحة الوصول للأردنيين في الخارج، كلها أدوات يفترض بأن توسع دائرة الاستقطاب بدلاً من حصر المنافسة في نطاق محدود من المرشحين المعروفين داخل الجهاز الحكومي.
وهنا تبرز مسألة مهمة جداً بتقييم التجربة، إذ ليس المهم فقط عدد الوظائف التي أعلنت، بل عدد المتقدمين المؤهلين فعلياً لكل وظيفة، ونسبة القادمين من خارج المؤسسة، ونسبة النساء،

والتخصصات والخبرات التي دخلت المنافسة، وعدد من وصلوا للمقابلة النهائية. فهذه البيانات هي من أهم المؤشرات التي يمكن عبرها الحكم على مدى اتساع المنافسة، من دون الحاجة لإطلاق أحكام عامة على التجربة.
من خارج الجهاز الحكومي
ولعل أحد الاختبارات المهمة للإصلاح، هو مدى قدرة الدولة على استقطاب الكفاءات من خارج المسار الحكومي التقليدي، فإذا كانت المسابقات تؤدي في معظم الحالات لإعادة تدوير القيادات نفسها في الجهاز العام، فإن الإصلاح يكون قد غير طريقة الإعلان والتقييم، لكنه لم يوسع بالضرورة سوق القيادات. أما إذا أصبحت المنافسة تستقطب خبرات متنوعة من القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات الدولية والمغتربين، وموظفي الدولة، فإن أثر الإصلاح سيكون أوسع.
وبالمحصلة، يتوجب أن تتحول إجراءات الحكومة إلى مؤشر سنوي معلن ضمن تقارير هيئة الخدمة والإدارة العامة ليجيب عن "كم متقدماً جاء من داخل القطاع العام؟ وكم جاء من خارجه؟ وما نسبة من تم تعيينهم من كل مسار؟
التعيين ليس نهاية المسار
ويبدو أن أهم ما يميز النظام أنه لا يتعامل مع التعيين باعتباره نهاية العملية، فالنظام الذي أقر في العام 2024 ربط وظائف المجموعة الثانية من الفئة العليا بمعايير لتقييم الأداء تتضمن مؤشرات تحدد سنوياً. وهذا بدوره يغير جوهر فكرة التعيين للوظيفة القيادية.

إذ إن الذي يحصل على الوظيفة بناء على المنافسة يفترض بأن يخضع لاحقاً لقياس ما حققه في المؤسسة التي يديرها بعد عام أو عامين من التعيين، وهو الأمر الأكثر أهمية من التعيين نفسه بحيث يظهر في التقييم: ماذا أنجز؟ وهل خفض كلفة؟ وهل حسن الخدمة؟ وهل نفذ الخطة الإستراتيجية؟ وهل رفع الإيرادات أو خفض الهدر بحيث يكون ذلك جزءاً من اختصاص المؤسسة؟ وهل حسن مؤشرات رضا المتعاملين؟ وهل حافظ على الكفاءات؟ وهل استطاع تحويل الأهداف الحكومية إلى نتائج قابلة للقياس؟
الراتب يدخل منظومة التقييم
وفي آب 2025 أقر مجلس الوزراء، تعليمات للتحليل والتقييم الكمي والموضوعي للوظائف القيادية العليا، لإيجاد آلية موحدة لتحديد الأهمية النسبية للوظائف والراتب المناسب لها، وتراعي عملية التقييم عوامل منها: كفايات ومتطلبات شغل الوظيفة، وحجم الدائرة من حيث مواردها المالية والبشرية، وأثر القرارات والتوجيهات وحل المشكلات، ما يفتح باباً جديداً في إصلاح الإدارة، وهو أجر القيادة الحكومية الذي يفترض أن يرتبط بقيمة الوظيفة ومسؤولياتها، وليس فقط بمسمى المنصب.
بناء القيادات قبل شغور المواقع
وإجمالاً فإن الإصلاح لا يقتصر على اختيار القيادات عند شغور الوظيفة، فالحكومة أقرت العام الحالي مشروع نظام الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية التي يفترض أن تكون خلفاً لمعهد الإدارة العامة، وأن تتولى إعداد وتأهيل القيادات الحكومية وبناء قدراتها، وتطوير مسارات مهنية قائمة على الكفايات.
وهنا تظهر فلسفة الدولة، بأنها لا تريد فقط البحث عن مدير عندما تصبح الوظيفة شاغرة، وإنما بناء مخزون مستقبلي من القيادات، لأن المؤسسات الحديثة لا تنتظر دائماً حدوث الشغور حتى تبدأ التفكير في البديل، بل تعمل على تطوير مسارات قيادية وتحديد الكفاءات التي يمكن أن تتولى المسؤولية مستقبلاً.

التعيين القيادي باختبار الثقة
وعموماً فإنه برغم كل هذه الإجراءات، يبقى ملف التعيينات القيادية من أكثر الملفات حساسية في الإدارة العامة؛ ليس فقط بسبب أهمية المواقع، وإنما لأن أي نظام تعيين يحتاج إلى ثقة المتنافسين والجهاز الحكومي والرأي العام في نزاهة مراحله.
ولهذا فإن الشفافية، ينبغي ألا تتوقف عند الإعلان عن الوظيفة أو اسم الفائز، ولكن يمكن أن تتوسع البيانات المنشورة لتشمل عدد المتقدمين، ومن انطبقت عليهم الشروط، ومراحل التقييم، ومن وصلوا للمقابلات، والمنهجية العامة للمفاضلة، ثم مؤشرات أداء شاغل الوظيفة بعد تعيينه.
ولعل الاختبار الحقيقي للنظام في السنوات المقبلة، لن يكون بعدد ما أجري من مسابقات، ولا بعدد ما أعلن من وظائف، وإنما بقدرته على تحقيق ثلاث حلقات شروط هي: توسيع المنافسة، ورفع موضوعية الاختيار، وربط التعيين بنتائج قابلة للقياس. فإذا نجحت الحلقات الثلاث معاً، تصبح التعيينات القيادية جزءاً من إصلاح مؤسسي طويل الأمد، لا مجرد تغيير في آلية ملء الشواغر.
أما المرحلة الحالية، فتقدم بالفعل مؤشرات على انتقال الإدارة نحو إعلان الوظائف القيادية، والفرز الإلكتروني، ووجود مسارات للاعتراض، والمقابلات المنظمة، وإسناد بعض قرارات التعيين إلى نتائج مسابقات وفق نظام القيادات الحكومية.
ويبقى المؤشر الأكثر أهمية: هل تتحول هذه الإجراءات من قواعد مكتوبة لثقافة مؤسسية مستقرة، بحيث يصبح اختيار القيادة الحكومية قائماً على المنافسة والكفاية، ويصبح تقييم المسؤول لاحقاً قائماً على ما يحققه فعلياً؟
وهنا تحديداً يلتقي ملف التعيينات القيادية مع جوهر تحديث القطاع العام، من حيث إعادة بناء الدولة عبر الإنسان الذي يدير مؤسساتها، وليس فقط عبر إعادة رسم هياكلها. الغد


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى