مستقبل علاج ضعف النظر .. من العلاج الجيني إلى الذكاء الاصطناعي

التاج الإخباري -

تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى إصابة 2.2 مليار شخص بضعف النظر حول العالم، ما دفع الأبحاث الطبية إلى تجاوز النظارات والجراحات التقليدية، والتوجه نحو العلاج الجيني، وزراعة الخلايا الجذعية والشبكية، والعدسات الذكية، والذكاء الاصطناعي.

ويستبعد العلماء التوصل إلى «علاج سحري موحد» لضعف النظر، نظراً لاختلاف مسبباته، مثل المياه البيضاء، والمياه الزرقاء، والتنكس الشبكي، ليتجه مسار الطب الحديث نحو الوقاية الاستباقية، وإصلاح الخلايا التالفة، واستعادة وظائف الجهاز البصري.

العلاج الجيني.. تصحيح الأسباب الوراثية للعمى

تعد محاولة تصحيح الأسباب الوراثية للعمى واحدة من أبرز التطورات في هذا المجال، إذ أثبت علاج «لوكس تورنا» المعتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية إمكانية علاج اضطراب وراثي في العين، من خلال إيصال جين وظيفي إلى خلايا الشبكية.

ويستخدم هذا العلاج تحديداً للمرضى الذين تأكدت إصابتهم بضمور الشبكية المرتبط بطفرة في كلتا نسختي جين «RPE65»، أي الطفرة ثنائية الأليل.

وسجل العلاج الجيني اختراقاً طبياً باعتماد «لوكس تورنا» لعلاج العمى الوراثي، مستفيداً من كون العين موقعاً مثالياً للعلاج، نظراً إلى صغر حجمها وعزلها جزئياً عن الجهاز المناعي للجسم، إلى جانب سهولة الوصول إليها لتلقي علاج موضعي.

ويعكف العلماء حالياً على دراسة علاجات جينية أخرى تهدف إلى حماية خلايا الشبكية أو تصحيح التشوهات الجينية.

**الخلايا الجذعية واستبدال خلايا الشبكية**

إضافة إلى ذلك، يعمل العلماء على محاولة تنمية خلايا شبكية العين انطلاقاً من خلايا جذعية مستحثة وافرة القدرة، ومن ثم زرعها في العيون المتضررة، بهدف أساسي يتمثل في استبدال الخلايا التي دمرها المرض.

وعلى سبيل المثال، يجري «المعهد الوطني للعين»، وهو وكالة فيدرالية رائدة في مجال بحوث الرؤية وصحة العين في الولايات المتحدة، تجربة سريرية لاختبار عملية زرع خلايا من الظهارة الصبغية للشبكية، مستمدة من خلايا جذعية مستحثة وافرة القدرة، لعلاج حالة «الضمور الجغرافي» المرتبط بالتنكس البقعي المرتبط بالعمر.

كما يدرس علماء المعهد كيفية تطور خلايا الشبكية، وهي معلومات قد تسهم في نهاية المطاف في زيادة فرص نجاح عمليات زرع الشبكية.

الرؤية الاصطناعية والإلكترونية والذكاء الاصطناعي

ويتمثل أحد الأساليب الأخرى في تجاوز الأجزاء التالفة من العين بالكامل، إذ تسعى غرسات الشبكية وأنظمة الأطراف الاصطناعية العصبية الأخرى إلى تحويل الصور إلى إشارات كهربائية قادرة على تحفيز المسارات العصبية أو خلايا الشبكية المتبقية.

ولا يتمثل الهدف بالضرورة في استعادة الرؤية الطبيعية، بمستوى حدة 20/20، بل في تزويد المصابين بأمراض الشبكية الحادة بمعلومات بصرية مفيدة.

ويتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الشبكية، والكشف المبكر عن الأمراض، وفهم كميات هائلة من البيانات البيولوجية.

وفي عام 2026، أعلن علماء «المعهد الوطني للعين» تطوير نظام ذكاء اصطناعي قادر على التحليل السريع لبيانات التعبير الجيني واسعة النطاق، بما يساعد العلماء على فهم الآليات البيولوجية.

وعلى المدى الأبعد، قد يساعد الذكاء الاصطناعي الأطباء في تحديد العلاج الأنسب للمريض بناءً على خصائصه الجينية وحالة شبكية العين لديه.

تجارب سريرية جديدة لمكافحة ضعف النظر

ومن التطورات المثيرة للاهتمام في مكافحة ضعف النظر، تجربة سريرية جديدة أجراها «المعهد الوطني للعين»، تختبر نظارات طبية متخصصة، وقطرات عين تحتوي على الأتروبين بتركيز 0.05 في المئة، واستخدام كليهما معاً، بهدف تحديد مدى فاعليتها في إبطاء تطور قصر النظر لدى الأطفال.

وهناك تجربة سريرية أخرى بدأت العام الحالي، تُعرف باسم «Opti-GAIN»، وتختبر عقار «CTx001»، وهو علاج جيني يُعطى عبر حقنة واحدة تحت الشبكية لعلاج الضمور الجغرافي المرتبط بالتنكس البقعي المرتبط بالعمر.

هل يمكن لقطرات العين منع ضعف النظر مستقبلاً؟

بالنسبة إلى بعض أشكال ضعف النظر، قد يكون الجواب نعم، ولكن ليس جميعها.

ويبرز قصر النظر لدى الأطفال مثالاً على ذلك، إذ خضعت قطرات «الأتروبين» لدراسات مكثفة وأثبتت قدرتها على إبطاء تفاقم قصر النظر خلال مرحلة الطفولة.

وتظهر الدراسات التي لخصتها موسوعة «أي ويكي»، التابعة للأكاديمية الأميركية لطب العيون، أن التركيزات المنخفضة، مثل 0.01 و0.025 و0.05 في المئة، يمكن أن تحد من تطور قصر النظر مقارنة بالعلاج الوهمي.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين إبطاء قصر النظر والقضاء عليه تماماً، إذ إن الأتروبين لا يعيد العين المصابة بقصر النظر إلى حالتها الطبيعية بصورة دائمة في الوقت الراهن، وإنما يقتصر دوره على تقليل سرعة تفاقم الحالة خلال مرحلة الطفولة.

وفي المستقبل، قد تصبح قطرات العين أكثر تطوراً بكثير، إذ قد يطور العلماء أدوية قادرة على منع الاستطالة المفرطة لمقلة العين، وحماية خلايا الشبكية، والحد من الالتهاب، وإبطاء عمليات التنكس والتدهور النسيجي، وتوصيل علاجات جينية، وتحفيز الخلايا التالفة على إصلاح نفسها، أو ربما تنشيط تجدد خلايا الشبكية.

وعليه، فإن فكرة «قطرة العين لحماية النظر» تعد أمراً ممكناً من الناحية العلمية، غير أن ابتكار قطرة شاملة قادرة على الوقاية من جميع أنواع ضعف النظر يظل أمراً يفوق قدرات الطب الحالي بمراحل.

ماذا يخبئ المستقبل؟

تتمثل الاحتمالية الأكثر إثارة في إمكان تحول طب العيون تدريجياً من مجرد تصحيح النظر بعد تدهوره إلى الوقاية من الضرر الكامن أو إصلاحه.

وفي المستقبل، سيحدد الفحص المعتمد على الذكاء الاصطناعي الأطفال المعرضين لخطر كبير للإصابة بقصر النظر الشديد، بينما ستعمل قطرات العين الوقائية والعدسات المتخصصة على إبطاء نمو العين.

أما في مرحلة البلوغ، فستكشف فحوص الشبكية الدورية عن العلامات المبكرة للمياه الزرقاء «الغلوكوما»، أو التنكس البقعي المرتبط بالعمر، أو أمراض الشبكية، قبل فقدان جزء كبير من القدرة على الرؤية.

كما سيحدد الفحص الجيني الأشخاص المعرضين للخطر، ويقوم العلاج الجيني الموجه بحماية الجينات المعيبة أو استبدالها، فيما ستعمل خلايا الشبكية المشتقة من الخلايا الجذعية على استبدال الخلايا التي دمرها المرض.

وستوفر الغرسات الشبكية أو العصبية مساراً اصطناعياً لنقل المعلومات البصرية.

وعلى المدى الأبعد، قد يجمع العلماء بين تحرير الجينات، والطب التجديدي، وتكنولوجيا النانو، والواجهات العصبية، في محاولة لتحقيق إنجاز أكثر طموحاً بكثير، يتمثل في إصلاح العين بدلاً من مجرد تعويض قصورها الوظيفي.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى