اشتر الآن وادفع لاحقا .. راحة نقدية أم عبء يتراكم في صمت؟

التاج الإخباري -

أصبح خيار "اشتر الآن وادفع لاحقا" جزءا مألوفا من تجربة الشراء عبر الإنترنت وفي المتاجر. فبدلا من دفع ثمن السلعة كاملا، يتيح هذا الخيار للمستهلك تقسيمه إلى دفعات قصيرة ومتساوية، غالبا من دون فوائد إذا التزم بمواعيد السداد.

الفكرة تبدو بسيطة وجذابة: شراء هاتف أو ملابس أو أثاث اليوم، ثم سداد القيمة على أربع دفعات صغيرة مثلا. لكن هذه السهولة قد تحجب حقيقة أساسية: التقسيط هو ائتمان والتزام مالي حتى لو كان بلا فائدة.

والخطر لا يبدأ عادة من عملية تقسيط واحدة، بل من تزامن أقساط متعددة عبر تطبيقات ومتاجر مختلفة، بحيث تتحول الدفعات الصغيرة إلى عبء كبير لا يظهر بوضوح إلا عند حلول مواعيد الاستحقاق.

في نموذجها الأكثر انتشارا، تقسم الخدمة قيمة المشتريات إلى أربع دفعات متساوية، تدفع الأولى عند إتمام الشراء، ثم تخصم الدفعات الثلاث المتبقية عادة كل أسبوعين.

فإذا كانت قيمة المشتريات 400 دولار مثلا، يتم دفع 100 دولار وقت الشراء ثم دفع الباقي في مواعيد لاحقة على ثلاث دفعات بقيمة 100 دولار لكل دفعة.

ويختلف المنتج بحسب الشركة المقدمة له والبلد الذي يعرض فيه، فقد تكون هناك خطط قصيرة الأجل، غالبا أربع دفعات، وقد تكون بلا فوائد عند الالتزام، وخطط أطول أجلا قد تمتد لأشهر، وقد تتضمن تكلفة تمويلية أو نسبة سنوية أو شروطا ائتمانية مختلفة.

وتعتمد خدمات كثيرة على ربط بطاقة خصم أو حساب بنكي أو بطاقة ائتمان لسحب الأقساط تلقائيا، ويحصل التاجر عادة على قيمة المبيع من شركة التقسيط، بينما تتولى الشركة تحصيل الأقساط من العميل.

ولهذا فإن وجود خيار التقسيط عند نقطة الدفع ليس "مجرد طريقة دفع"، بل هو في جوهره قرض استهلاكي قصير الأجل.

ويصف مكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي هذا النموذج الائتماني بأنه وسيلة لتقسيم عملية شراء إلى أقساط صغيرة، ويكون النموذج الشائع فيه أربع دفعات متساوية في نحو ستة أسابيع.

لماذا تبدو هذه الخدمات مغرية؟
تستمد خدمات التقسيط جاذبيتها من ثلاثة عناصر رئيسية:

تخفيف الإحساس بالسعر الكامل: فالنظر إلى الأمر في صورة "25 دولارا كل أسبوعين" قد يبدو أسهل بكثير نفسيا من رؤية السعر الكامل للسلعة.
السرعة والبساطة: لا تتطلب العملية في كثير من الحالات إجراءات طويلة، وتظهر مباشرة أثناء خطوات الدفع.
تجنب فوائد البطاقات الائتمانية: عند الالتزام بالسداد، قد تكون خطة الدفع على أربع دفعات أقل تكلفة من ترحيل رصيد بطاقة ائتمانية ذات فائدة مرتفعة.
ورغم كون هذه المزايا حقيقية، فهي لا تعني أن الخدمة مناسبة لكل عملية شراء، فالقسط الصغير لا يجعل السلعة أرخص، بل يغير فقط توقيت الدفع.

الخطر الحقيقي: تكديس الأقساط الصغيرة
المشكلة الأساسية ليست في استخدام خدمة تقسيط واحدة لشراء سلعة أو خدمة بعينها، بل في فتح خطط متزامنة من مزودين مختلفين.

وبافتراض أن شخصا يتحمل أقساطا شهرية لملابس (45 دولارا) وجهاز إلكتروني (70 دولارا) وأثاث (90 دولارا) ومستلزمات للمنزل (35 دولارا)، فقد يبدو كل قسط منفردا بسيطا، لكن الإجمالي البالغ 240 دولارا قد يضغط على الدخل بعد احتساب إيجار السكن والفواتير والغذاء والمواصلات والادخار والطوارئ.

وينطوي خطر هذا السلوك على أنه يرتب على الشخص التزامات متزامنة ليست دائما مجمعة في وسيلة متابعة واحدة.

وخلصت دراسة لمكتب الحماية المالية للمستهلك الأمريكي شملت ست شركات كبرى إلى أن نحو 63% من مستخدمي خدمات الدفع على أربع دفعات كدسوا قروضا متزامنة خلال العام، وأن 33% استخدموا أكثر من مزود واحد في 2022.

وتتعلق هذه الأرقام بسوق الولايات المتحدة وبعينة من مستخدمي خطط الدفع على أربع دفعات لدى ست شركات كبرى، ولذلك لا تمثل بالضرورة جميع المستهلكين أو جميع الأسواق حول العالم، لكنها تكشف بوضوح طبيعة خطر تعدد التطبيقات وسهولة تراكم الالتزامات.

ومن المهم التمييز بين الارتباط والسببية: فارتفاع استخدام خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقا" بين من لديهم ديون أو ضغوط مالية لا يثبت وحده أن هذه الخدمة هي سبب المشكلة.

فقد خلص بحث صادر عن هيئة السلوك المالي البريطانية إلى أن مستخدمي هذا النوع من الائتمان يكونون، في المتوسط، أصغر سنا وأكثر تعرضا للضائقة المالية ولديهم ديون غير مضمونة أعلى من غيرهم، لكنه لم يجد دليلا ثابتا على أن استخدام الخدمة وحده يسبب، على المدى المتوسط، زيادة الديون في منتجات ائتمانية أخرى.

كما أشار البحث إلى وجود بعض الأدلة على زيادة محدودة في احتمال التأخر ضمن التزامات "اشتر الآن وادفع لاحقا" نفسها، من دون أن يثبت ذلك أن هذه الخدمات تسبب، في المتوسط، زيادة ديون ائتمانية أخرى.

"صفر فائدة" لا يعني "صفر تكلفة"
عبارة "بلا فوائد" أو "صفر فائدة" لا تعني أن الاستخدام خال تماما من الأعباء أو المخاطر، فقد تظهر التكلفة من خلال:

رسوم التأخير عند عدم سداد القسط في موعده.
رسوم عدم كفاية الرصيد أو "السحب على المكشوف"، أي السحب فوق الرصيد البنكي، وهو شكل من أشكال الاقتراض، إذا فشل الخصم التلقائي من الحساب البنكي.
تعليق إمكانية الشراء مستقبلا إلى حين تسوية المتأخرات.
إحالة الدين إلى التحصيل عند عدم السداد بحسب الشروط والقوانين المحلية.
استخدام بطاقة ائتمانية لسداد الأقساط، وهنا قد يتحول الدين القصير إلى رصيد بطاقة يحمل فائدة.

هل يؤثر التقسيط في السجل الائتماني؟
لا توجد إجابة واحدة تنطبق على كل الدول أو الشركات أو المنتجات.

ففي الولايات المتحدة، لم تكن كثير من خطط الدفع على أربع دفعات تبلغ إلى مكاتب الائتمان بشكل كبير، ما يعني أن السداد المنتظم قد لا يساعد دائما في بناء التقييم الائتماني بالطريقة ذاتها التي تساعد بها بعض البطاقات أو القروض التقليدية. لكن التأخر أو الإحالة إلى التحصيل أو استخدام خطط أطول قد يغير هذه الصورة.

كما أن طريقة الإبلاغ الائتماني تتغير تدريجيا. فمثلا، تشير شركة "ترانس يونيون"، وهي إحدى شركات التقارير الائتمانية الكبرى في الولايات المتحدة، إلى أن بعض بيانات "اشتر الآن وادفع لاحقا" قد تظهر في التقرير الائتماني، لكن أثرها في قرار الإقراض أو الدرجة الائتمانية يعتمد على الشركة التي أبلغت عنها ومكتب الائتمان ونموذج التقييم المستخدم.

وفي 2025، أعلنت شركة فايكو المتخصصة في تطوير نماذج التقييم الائتماني إطلاق نماذج درجات ائتمانية جديدة تتضمن بيانات "اشتر الآن وادفع لاحقا"، وهو ما يعكس اتجاها متزايدا نحو إدخال هذا النوع من البيانات في التقييم الائتماني، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع الأقساط أو جميع الشركات تؤثر حاليا في الدرجة الائتمانية بالطريقة نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن التأخر في سداد قسط صغير "لن يترك أثرا"، بل يجب دائما قراءة العقد وسياسة الإفصاح الائتماني لدى الشركة.

متى يكون التقسيط خيارا معقولا؟
يمكن أن يكون التقسيط أداة مفيدة لإدارة السيولة النقدية إذا توفرت الشروط التالية:

أن تكون السلعة ضرورية أو مخططا لها مسبقا، لا نتيجة شراء اندفاعي.
أن يكون المبلغ الكامل متوفرا بالفعل أو هناك دخل مؤكد يغطي جميع الدفعات.
عدم استخدام قرض جديد أو بطاقة ائتمانية لسداد الأقساط.
معرفة السعر النهائي وعدد الأقساط وتواريخ الاستحقاق ورسوم التأخير وسياسة الاسترجاع.
أن تكون الالتزامات الحالية واضحة ومحدودة.
والقاعدة العملية هي عدم استخدام التقسيط لزيادة القدرة على الشراء، بل لتنظيم دفع مبلغ يمكن تحمله بالفعل.

مؤشرات تحذيرية
قد يتحول التقسيط إلى مشكلة ويتطلب إعادة تقييم الاستخدام فورا في حال وجود أحد هذه المؤشرات:

عدم القدرة على تحديد إجمالي الأقساط المستحقة هذا الشهر.
استخدام أكثر من منصة تقسيط في الوقت نفسه.
فتح خطة جديدة قبل إغلاق الخطط السابقة.
الاعتماد على بطاقة ائتمانية أو قرض آخر لتسديد الأقساط.
التأخر في دفع الإيجار أو الفواتير أو الاحتياجات الأساسية بسبب الأقساط.
استخدام التقسيط لشراء نفقات استهلاكية متكررة، مثل الوجبات أو المشتريات اليومية غير الضرورية.

قواعد للاستخدام الآمن:
احسب السعر الكامل قبل القسط.
لا تسأل فقط: هل أستطيع دفع الدفعة الأولى؟، بل السؤال هو: هل أستطيع دفع السعر الكامل؟.
اجمع كل الأقساط في كشف واحد، وحدد فيه اسم المنصة وقيمة القسط وتاريخ الاستحقاق وعدد الدفعات.
ضع سقفا شخصيا للأقساط، وحدده بعد خصم نفقات السكن والغذاء والفواتير والادخار والطوارئ من دخلك.
لا تفتح خطة جديدة قبل إغلاق أخرى قدر الإمكان.
احتفظ بهامش نقدي في الحساب المرتبط بالسداد، ولا تترك الرصيد عند الحد الأدنى قبل موعد الخصم التلقائي.
راجع تقريرك الائتماني دوريا، وخصوصا قبل التقدم لتمويل كبير، مثل تمويل سيارة أو عقار.
وقبل الضغط على خيار تأكيد الطلب، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة:
هل أحتاج هذه السلعة الآن فعلا؟
هل أستطيع دفع ثمنها كاملا من دون الاقتراض؟
هل سيبقى لدي بعد سداد الأقساط ما يكفي للسكن والفواتير والطعام والطوارئ؟
إذا كانت الإجابة عن السؤالين الثاني أو الثالث بالذات هي "لا"، فالأفضل تأجيل الشراء أو اختيار بديل أقل كلفة.

وفي النهاية فإن خدمات "اشتر الآن وادفع لاحقا" ليست جيدة أو سيئة بطبيعتها، فهي أداة ائتمانية قد تساعد في توزيع تكلفة شراء مخطط له، لكنها قد تصبح خطرة عندما تخفي السعر الكامل وراء دفعات صغيرة أو عندما تتعدد التطبيقات ومواعيد الاستحقاق.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى